نساء التنظيم الإرهابي أكثر تطرفاً من رجاله

أرامل «داعش» يشكلن خطراً مستقبلياً

صورة

بينما كنت جالسة في أحد المنازل المدمرة في الموصل عام 2017، كنت أراقب بذهول مع مجموعة من جنود القوات الخاصة العراقية اثنين من مقاتلي تنظيم «داعش» يظهران على شاشة كاميرا حية. وكان الرجلان يستعدان لإطلاق قذائف «آر بي جي» باتجاهنا، وكانت المفاجأة أن المقاتلين اللذين كانا يرتديان عباءة ونقاباً هما امرأتان.

وبعد أن خسر التنظيم السلطة والأرض خلال العام الماضي، تحول من الإصرار على أفضلية الرجل في خوض المعارك إلى السماح للنساء بالمشاركة في المعارك، ومن المستحيل تحديد تعداد النساء اللاتي يشاركن في القتال مع «داعش»، لكن المقابلات التي أجريتها مع قوات الشرطة في الموصل تشير إلى أن وجودهن أصبح معتاداً، بحيث أن أحداً لم يعد يندهش لرؤيتهن، كما حدث معي قبل عامين. وقال لي محافظ الموصل زهير المحسن هذا الشهر «بعد سقوط (داعش)، ازداد قلقنا على النساء الدواعش».

وكانت الآلة الإعلامية لتنظيم «داعش» خلال الأعوام القليلة الماضية قد لمحت وحضرت الأرضية اللازمة لمثل هذا التغيير. وفي أكتوبر2017، دعت صحيفة تنظيم «داعش» النساء إلى الاستعداد للمعركة، بداية العام الماضي، وأثنت على المقاتلات النساء في تسجيل فيديو يظهر امرأة تحمل بندقية روسية، وتحد يظهره التسجيل في وصفه للمرأة بالقول «هذه المرأة المجاهدة العفيفة ذاهبة إلى ربها بملابس الطهر والإيمان، وهي تسعى للانتقام لدينها ولشرف أخواتها».

تغير غير مخيف

وإذا كان ارتفاع تعداد المقاتلات من ناحية يمثل تغيراً مهماً في استراتيجية «داعش» المعروف عنها تحيزها ضد النساء، فإن هذا التغير من ناحية أخرى ليس مخيفاً كما يبدو الأمر، فالنساء اللواتي تزوجن مقاتلي «داعش»، واللواتي يحاولن العودة الآن الى العالم الغربي، ربما يدعين أنهن كن مجرد ربات منزل فقط، لكن منذ بداية ظهور تنظيم «داعش»، كانت بعض النساء أشد تطرفاً من أزواجهن. وأبلغني مقاتل داعشي سابق من داغستان أنه عرف العديد من النساء اللواتي كن يصررن على انضمام أزواجهن وأبنائهن إلى «داعش». وكان يعرف نساء كن يرفضن الزواج إلا من المقاتلين في الخطوط الأمامية، لأنهن «يردن أن يكوّنّ عائلة مجاهدة حقيقية».

وبالنسبة لنساء أخريات، فإن استعدادهن للمشاركة في القتال ناجم عن الرغبة في الانتقام. وبعد معركة الموصل وتحريرها من قبل قوات الأمن العراقية، أصبح هناك العديد من الأرامل الداعشيات اللواتي مستعدات لمساعدة التنظيم من أجل الانتقام من الحكومة، حسبما قال لي الأشخاص الذين أجريت معهم مقابلات في مخيمات اللاجئين. وهناك العديد من الأرامل اللواتي هربن دون أي دخل ويعشن ظروفاً تعيسة جداً في مخيمات اللاجئين، ويشعرن بأنه ليس لديهن أي خيار سوى العمل مع تنظيم «داعش» من أجل العيش.

وعلى الرغم من أن إعلام «داعش» وصف التغيير في استراتيجيته بأنه «حملة تمهد لفترة جديدة من الفتوحات»، فإن السماح للنساء بالمشاركة في القتال ناجم عن حالة اليأس، اذ إن التنظيم خسر معظم الأراضي التي كان يسيطر عليها، كما أن معظم مقاتليه الرجال إما قتلوا أو جرحوا، أو تم اعتقالهم، وفق ما يقوله قاضي التحقيق الرئيس في محكمة الموصل للإرهاب رياض حميد.

ولكن ثمة أصوات متزايدة تحذر من أن «داعش» يمتلك القدرة على أن يكون أكثر خطراً وهو في حالة تمرد، ولذلك فإن زيادة تعداد النساء المقاتلات إضافة إلى كونهن ناشطات سريات يمنحن التنظيم ميزة جيدة. وعندما كان تنظيم «داعش» يسيطر على مساحات واسعة من الأرض، كان لديه جيش يرتدي بزات نظامية، لكن بعد تزايد حاجة التنظيم إلى العمل السري أصبحت الناشطات النساء يمثلن سلاحاً ثميناً بالنسبة له.

وعلى سبيل المثال، بعد سقوط الموصل، كان الجنود الذين رافقتهم يشاهدون نساء يمشين عبر الركام وهن يحملن الطعام والماء، وهو عمل يمكن أن يثير الشبهة بين القوات لو أنهم كانوا رجالاً، لكن النساء يمكن أن يقمن بذلك دون مشكلات، ونتيجة عمل هؤلاء النسوة فإن المقاتلين الذين اضطروا للخروج من مخابئهم يمكن أن يكونوا قادرين على البقاء أحياء بهذه المساعدة.

تغير التركيبة

ولم تكن بعض القوات الأمنية الحكومية دائما مستعدة للتعامل مع هذه التغيرات في التركيبة البشرية لتنظيم «داعش»، وفي الوقت الذي كان يوجد نساء ضمن القوات الحكومية التي تحارب مقاتلي «داعش» في سورية، فإنه لم يكن هناك أية نسوة في الجيش والقوات الخاصة في العراق.

وشكل غياب النساء في القوات التي شاركت في عملية استعادة الموصل، والتي كنت أرافقها، مشكلة أمنية، فبينما كان الجنود يستقبلون الرجال الهاربين من القادمين من المنطقة التي كان يسيطر عليها مسلحو «داعش»، ويقومون بتفتيشهم بحثاً عن الأسئلة والمتفجرات، فإن هؤلاء الجنود لم يكونوا مستعدين للمس النساء، ولذلك فإن هؤلاء النساء أصبحن أشد خطراً من الرجال وفق ما ذكره العقيد حسين محمود من الشرطة الاتحادية. وكانت النساء هن المسؤولات عن العديد من التفجيرات الانتحارية التي كانت تقع يومياً في مواقع الجيش العراقي خلال عملية الموصل، وفق اللواء عبدالوهاب السعيدي، أحد قادة الجهود العراقية لمحاربة «داعش».

وقال محافظ الموصل، إن قوات الشرطة، التي تقدم اليوم معظم الأمن للمدينة، تخطط الآن لحشد مزيد من الضباط النساء، وإضافة غرف إلى نقاط التفتيش، حيث يمكن تفتيش النساء فيها، لكنه متشائم بشأن تاريخ تحقيق ذلك.

ويدرك السكان المدنيون في العراق بالتأكيد الوجه الجديد لـ«داعش». ووفق مسح قمت بإجرائه مع زميل لي في الموصل في ديسمبر الماضي، قال 85% من الذين شاركوا فيه إنه في الماضي، كان نساء «داعش» متطرفات مثل رجاله، ووافق 80% منهم أو وافقوا بقوة على أنهن لعبن دوراً مهماً في التنظيم. وقال 82% إنهم يوافقون وبقوة على أن نساء «داعش» سيشكلن خطراً كبيراً على الموصل.

وإذا كانت أدوار الجنسين في العراق في السابق تشكل في معظمها أحد المخاوف المتعلقة بحقوق الإنسان، فإنها أصبحت الآن مصدر قلق أمني، إذ إن هذه المجموعة التي عرفت بكرهها للنساء ربما تكون متقدمة جداً في مجال مساواة المرأة مع الرجل كمقاتلين، وربما في استعداده لرؤية قادرة على إحداث التدمير. ولن يكون أمام العراق أي خيار سوى إعادة النظر في أفكاره بشأن أدوار الجنسين، الأمن، ومن يمكن أن يصبح تهديداً أمنياً إذا كان يريد الحفاظ على نفسه آمناً.

فيرا مينروفا - صحافية وباحثة وكاتبة نشرت في العديد من الصحف الأميركية

• %85 من العراقيين يرون أن نساء «داعش» كن متطرفات مثل رجاله، و80% منهم وافقوا بقوة على أنهن لعبن دوراً مهماً في التنظيم.

• عندما كان تنظيم «داعش» يسيطر على مساحات واسعة من الأرض، كان لديه جيش يرتدي بزات نظامية، لكن بعد تزايد حاجة التنظيم إلى العمل السري أصبحت الناشطات النساء يمثلن سلاحاً ثميناً بالنسبة له.

طباعة