تشريعات في تشيلي وبوليفيا والأرجنتين وبيرو تشدد العقوبات على البلاغات الكيدية

من «حماية النساء» إلى «الدفاع عن الرجال».. قوانين تثير جدلاً في أميركا اللاتينية

صورة

تعتبر السيناتورة التشيلية، فانيسا قيصر، نفسها في «مهمة» للدفاع عن الرجال، حيث ترى أن الرجال باتوا يتعرضون للهجوم، وأنهم بحاجة إلى الحماية من مظالم تقول إنها لحقت بهم بسبب الحركات النسوية، بما في ذلك ما تصفه بسيل من الاتهامات الكاذبة المرتبطة بالعنف القائم على النوع الاجتماعي.

وقالت قيصر: «أريد أن أكون أول وزيرة في تاريخ الغرب التي تعمل على حماية الرجال».

وخلال حديثها عن مشروع قانون يفرض عقوبات على البلاغات الكاذبة المتعلقة بالعنف المنزلي والاعتداءات الجنسية، أكدت قيصر: «أريد أن أدافع عنكم ضد فكرة أنكم مذنبون لمجرد أنكم ولدتم ذكوراً، ففي الوقت الراهن، وعلاوة على كل الأعباء التي كانت ملقاة على عاتقنا بالفعل، أصبح لزاماً علينا، بسبب تلك الأيديولوجيات المعروفة بالنسوية ومنظور النوع الاجتماعي، أن ندافع عن رجالنا».

مقترحات تشريعية

وتعكس تصريحات قيصر قناعة آخذة في الانتشار في أجزاء من أميركا اللاتينية، مفادها أن القوانين التي جرى سنها لحماية النساء من العنف تجاوزت الحدود المعقولة، وأنها جعلت الرجال عرضة لاتهامات كيدية، فيما بدأ سياسيون في عدد من دول المنطقة في ترجمة هذا الطرح إلى مقترحات تشريعية.

وفي بوليفيا وتشيلي والأرجنتين والبيرو، اقترح مشرعون قوانين يمكن أن تشدد العقوبات، وفي بعض الحالات تستحدث إجراءات جديدة بحق الأشخاص الذين يقدمون بلاغات أو شكاوى كاذبة، مع تركيز خاص على القضايا المرتبطة بالعنف المنزلي والاعتداءات الجنسية والعنف القائم على النوع الاجتماعي.

استراتيجية منسقة

وتقدم هذه الإجراءات، كل على حدة، باعتبارها ضمانات لحماية الأشخاص من المزاعم الملفقة، إلا أن جماعات حقوق المرأة ترى عند النظر إليها مجتمعة، أنها تعكس خطاباً متنامياً ومثيراً للقلق، يقوم على القول إن النساء يسيئن بصورة منتظمة استخدام القوانين المخصصة لحمايتهن.

وتحذر هذه الجماعات من أن مثل هذا الخطاب قد يزرع الخوف لدى الضحايا، ويثنيهن عن الإبلاغ عن الانتهاكات من الأساس.

وقالت مديرة «مركز المساواة للمرأة»، ومقره الولايات المتحدة، أفيلا غيلين، إن طرح مشاريع القوانين بصورة متقاربة، وفي دول عدة، يوحي بأن الجماعات المحافظة المناهضة لحقوق المرأة تنفذ استراتيجية إقليمية أوسع ومنسقة، مضيفة: «احتمالية أن يكون ذلك مجرد مصادفة هي احتمال ضئيل للغاية».

وتأتي هذه المقترحات في وقت تندر فيه الأدلة التي تثبت انتشار حالات الاتهام الكاذب، فضلاً عن أن تقديم البلاغات الكاذبة مصنف بالفعل كجريمة جنائية في جميع الدول المعنية.

عقوبات

وفي بوليفيا، اقترح نواب تعديلاً على قانون متعلق بالعنف ضد المرأة، يمكن أن يؤدي إلى فرض عقوبات تصل إلى السجن ست سنوات على من يقدم بلاغات كاذبة عن العنف القائم على النوع الاجتماعي.

وهناك قانون آخر وافق عليه المشرعون، من حيث المبدأ، في يوليو الماضي، من شأنه تشديد العقوبات على الاتهامات الجنائية الكاذبة بصورة عامة، مع استحداث عقوبات أشد بالنسبة إلى الادعاءات المتعلقة بالعنف القائم على النوع الاجتماعي والجرائم الجنسية.

أما في الأرجنتين، فلايزال مشروع قانون مطروحاً أمام الكونغرس، ويهدف إلى تشديد العقوبات بصورة كبيرة على الاتهامات الكاذبة، وتنص نسخة من المشروع، وافقت عليها إحدى لجان المجلس في أبريل، على رفع الحد الأقصى للعقوبة الحالية من سنة واحدة إلى ثلاث سنوات، لتصل إلى ست سنوات في الحالات التي تتعلق بادعاءات بشأن العنف القائم على النوع الاجتماعي أو الجرائم الجنسية أو العنف ضد الأطفال.

لكن نسخة أحدث من المشروع حذفت الإشارة الصريحة إلى العنف القائم على النوع الاجتماعي، واستبدلت بها عبارة «الجرائم العمدية الخطرة»، وهي فئة لم تحدد بدقة، ويحذر محامون من أنها قد تشمل، رغم ذلك، العديد من الحالات ذاتها.

تعويضات

من جهتها، ذهبت تشيلي إلى أبعد من ذلك، من خلال اقتراح إجراء خاص للتعامل مع الشكاوى التي يقال إنها كاذبة والناشئة عن إجراءات أمام محاكم الأسرة، بما في ذلك قضايا العنف المنزلي والجرائم الجنسية.

ويمكن تفعيل هذا الإجراء بعد صدور حكم بالبراءة، أو قرار بحفظ القضية، أو أي قرار آخر يرفض الادعاء، وفي حال ثبوت كذب المدعي، فقد يؤدي ذلك إلى إلزامه بدفع تعويضات، وتقديم اعتذار علني، ومواجهة ملاحقة جنائية.

كما اقترح مشرعون في بيرو عقوبات أكثر صرامة على الادعاءات الكاذبة المتعلقة بالعنف ضد المرأة أو العنف الأسري، بحيث تصل عقوبة السجن إلى ست سنوات.

ويقول أنصار قانون مماثل في بوليفيا، إن هذه الإجراءات ضرورية لحماية الأشخاص الذين يتعرضون، بحسب وصفهم، لاتهامات ظالمة وباطلة بارتكاب جرائم خطرة، وكذلك لتعزيز مبدأ افتراض البراءة.

وخلال دفاعه عن المقترح أمام الهيئة التشريعية، قال السيناتور خوسيه مانويل أورماشيا، المنتمي إلى حزب «التحالف الحر» اليميني: «نحن بحاجة إلى لوائح توازن بينها وبين القانون القديم»، الذي يجرّم العنف ضد المرأة.

الاتهامات الكاذبة

وبالعودة إلى السيناتورة التشيلية فانيسا قيصر، فقد قدمت مشروع القانون رداً على ما تصفه بأنه إساءة استخدام واسعة النطاق للنظام القضائي، وقالت خلال مشاركتها في برنامج «عمق المجال» التلفزيوني التابع لمجلس الشيوخ: «تعد الاتهامات الكاذبة ورماً في مجتمعنا حالياً، وينتشر كالسرطان، ويحصد المزيد والمزيد من الضحايا».

لكن الباحثين يقولون إن الأدلة التي تشير إلى أن الاتهامات الكاذبة تمثل مشكلة واسعة أو خطرة لاتزال محدودة.

ولا تتوافر إحصاءات وطنية رسمية بشأن الاتهامات الكاذبة في تشيلي، أما في بوليفيا فقد شكلت ادعاءات الاتهام الكاذب 0.13% من إجمالي القضايا المرفوعة خلال عام 2024، وفقاً لمكتب المدعي العام.

وفي الأرجنتين، أظهر تقرير صادر عن مكتب المدعي العام أن التحقيقات المتعلقة بالبلاغات الكاذبة مثلت نحو حالة واحدة من كل 1000 قضية جنائية جرى فحصها بين عامَي 2023 و2025، أي ما نسبته 0.09% فقط.

وفي الولايات القضائية بالأرجنتين التي تتيح تصنيفاً أكثر تفصيلاً للقضايا، تبين أن 8% فقط من إجمالي قضايا البلاغات الكاذبة كانت تتعلق بالعنف القائم على النوع الاجتماعي أو العنف الأسري.

عدم الإبلاغ

ويرى المنتقدون أن المشكلة الأكبر تكمن في الاتجاه المعاكس، أي في أن حالات العنف غالباً ما لا يتم الإبلاغ عنها أصلاً، ففي تشيلي، تشير البيانات إلى أن معظم حالات العنف القائم على النوع الاجتماعي أو العنف الجنسي لا يتم التبليغ عنها، وأظهر مسح حكومي أُجري عام 2024 أن 12.1% فقط من النساء اللواتي تعرضن لعنف جنسي قلن إنهن أبلغن عن أحدث واقعة تعرضن لها.

وفي الوقت نفسه، تظهر بيانات السجل الوطني لجرائم قتل النساء في الأرجنتين لعام 2025، أن 15% فقط من الضحايا كن قد أبلغن سابقاً عن تعرضهن للعنف، كما كشف مسح آخر أن 77% من النساء اللواتي تعرضن للعنف على يد الشريك لم يتقدمن بأي شكوى.

عن «الغارديان»


عوائق كبيرة تواجه النساء

قالت منسقة السياسة لمنظمة «إيباس» الدولية غير الربحية والمتخصصة في الصحة الإنجابية، مارتن فيدوري، إن النساء يواجهن حالياً عوائق كبيرة عندما يترددن في الإبلاغ عن تعرضهن للعنف، بدءاً من نظام قضائي مثقل بالأعباء ووصولاً إلى العوائق الاقتصادية والتحيز المؤسسي، مشيرة إلى أنه على الرغم من ذلك، فقد ترسخت رواية مضادة قوية، تزعم أن النساء يعملن على إساءة استغلال هذا النظام من خلال تقديم بلاغات كاذبة.

وأضافت فيدوري: «ثمة رواية تفيد بأنه عندما تبلغ عن قضية، يمكن أن يذهب الرجل إلى السجن فوراً. وهناك رواية أخرى تقول أيضاً إن النساء يستخدمن هذا النظام ضد الرجال عندما يسيئون معاملتهن أو أنهم يريدون الانفصال عنهن، كما أن هناك من يقول إن القانون المناهض للعنف ضد النساء، هو في واقع الأمر ضد الرجال».

وأوضحت فيدوري أنه من الناحية العملية، قد تبلغ النساء عن تعرضهن للإساءة، لكنهن يتخلين لاحقاً عن المضي قدماً في الإجراءات القانونية، لعدم قدرتهن على تحمل التكاليف، في حين يواجه المدعون العامون ورجال الشرطة والقضاة، الذين يعانون أصلاً ضغوط العمل، أعباء هائلة جراء تكدس القضايا.

وثمة حالات مشابهة موجودة في البيرو، حيث قالت الناشطة البارزة في مجال حقوق المرأة ومديرة منظمة «برومسيكس»، سوزانا تشافيز، التي تدافع عن حقوق الإنجاب، إن «الضحايا غالباً ما يبلغن فقط عن حالات العنف المتكرر أو الشديدة، وحين يفعلن ذلك، قد يواجهن تشكيكاً من الشرطة، وإجراءات قضائية مطولة، وتكدساً كبيراً في القضايا».

وأضافت: «يتخلى بعضهن عن قضاياهن لأن الشريك المسيء يشترط التخلي عن الإجراءات القانونية مقابل الاستمرار في إعالة أطفالهن»، مؤكدة أن مجرد مواجهة هذه القضية أو الحديث عنها علناً يعد أمراً بالغ الصعوبة.

وفي ظل هذه الأجواء، يرى النشطاء أن التركيز المتزايد على مسألة «الادعاءات الكاذبة» يندرج ضمن معركة سياسية أكبر بكثير.

ووصفت تشافيز الاقتراحات كجزء من «حزمة واسعة النطاق ومنظمة للغاية»، تدفع بها جهات مناهضة لحقوق المرأة.

وعلى مدى العقد الماضي، تحولت الحركات النسائية إلى قوة متنامية التأثير في جميع أنحاء أميركا اللاتينية، مثل حركة «ني أونا مينوس»، ومعناها «ولا امرأة واحدة أقل» التي انطلقت في الأرجنتين عام 2015 احتجاجاً على جرائم قتل النساء، بسرعة فائقة في أرجاء المنطقة.


الاتهامات الكاذبة

ترى المحامية ومديرة منظمة «الفريق الأميركي اللاتيني للعدالة والنوع الاجتماعي» النسوية في الأرجنتين، ناتاليا غيراردي، أن تولي حكومة الرئيس، خافيير ميلي، السلطة أسفر عن إلغاء وزارة المرأة، إلى جانب إلغاء المكتب الذي حل محلها لاحقاً.

وفي ظل هذه التطورات، أثارت سلسلة من مشاريع القوانين المتعلقة بما يوصف بـ«الاتهامات الكاذبة» اهتمام الهيئة الإقليمية المعنية بمراقبة مدى التزام الدول الأطراف باتفاقية «بيليم دو بارا»، وهي المعاهدة الأميركية المشتركة لمناهضة العنف ضد المرأة.

وتحذر غيراردي من أن الخطر لا يقتصر على مضمون هذه القوانين بحد ذاته، وإنما يمتد إلى التأثير الذي يمكن أن تتركه على النساء اللواتي يفكرن في الإبلاغ عن تعرضهن للإساءة أو العنف، وترى أن وجود مثل هذه التشريعات قد يدفع بعض النساء إلى التردد في طلب الحماية أو الإحجام عن اللجوء إلى الجهات القضائية المختصة.

وتقول غيراردي: «سيحول ذلك دون سعي النساء للحصول على الحماية».

وتطرح المحامية تساؤلاً بشأن البدائل المتاحة أمام النساء في حال ترددن في اللجوء إلى القضاء، قائلة: «إذا لم يكن بإمكانك اللجوء إلى القضاء طلباً للحماية، فإلى من ستلجئين إذن؟».

• جماعات حقوق المرأة حذّرت من خطاب مثير للقلق يعتبر أن النساء يسيئن استخدام القوانين المخصصة لحمايتهن.

 

• هناك قناعة آخذة في الانتشار بأميركا اللاتينية، مفادها أن قوانين حماية النساء من العنف تجاوزت الحدود المعقولة، وجعلت الرجال عرضة لاتهامات كيدية.

تويتر