EMTC

عباس يتحمل الجزء الأكبر من اللوم

الانقسام الفلسطيني في أسوأ مراحله

صورة

بعد خمس سنوات من إنشاء الحكومة التي أطلق عليها حكومة المصالحة الوطنية، قدم رئيسها رامي الحمدالله استقالته في النهاية، وقال في تغريدة بعد أن طلب منه عباس إقالة الحكومة: «نضع الحكومة تحت تصرف الرئيس محمود عباس، ونرحب بتوصيات اللجنة المركزية لحركة فتح».

ومنذ تأسيس السلطة الفلسطينية عام 1994، تم تشكيل 17 حكومة حتى الآن، وسيطرت حركة فتح عليها جميعاً، وهي الفصيل الأكبر في منظمة التحرير الفلسطينية. وأدى احتكار حركة فتح للسياسة الفلسطينية إلى حدوث الكوارث. فهي لم تتمكن من تشكيل الحكومة الفلسطينية المطلوبة، ولم تتمكن من استخدام نفوذها لجمع شمل الفصائل الفلسطينية مع بعضها بعضاً، بل إنها فعلت العكس.

وعاش معظم هذه الحكومات الـ17 لفترات قصيرة، باستثناء حكومة الحمدالله، التي لاتزال تحكم منذ خمس سنوات، على الرغم من حقيقة فشلها في مهمتها الأساسية، المتمثلة في رأب الصدع الكبير بين «فتح» في الضفة الغربية، وحركة «حماس» في قطاع غزة، الذي تحاصره إسرائيل. وإضافة إلى ذلك فقد فشلت أيضاً في تقريب فصائل منظمة التحرير من بعضها بعضاً. وحتى الآن يرفض ثاني أكبر فصيل في منظمة التحرير الفلسطينية، وهو الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، المشاركة في حكومة المستقبل التي ستسيطر عليها فتح كما هي العادة.

ولم يبلغ الانقسام الفلسطيني هذا الحد من قبل، وفي الوقت الذي تتحمل جميع الفصائل الفلسطينية، بما فيها «حماس» و«الجهاد الإسلامي»، جزءاً من اللوم على فشل توحيد الجهود الفلسطينية، وتشكيل استراتيجية وطنية لمحاربة الاستعمار والاحتلال الإسرائيلي، فإن عباس يتحمل الجزء الأكبر من هذا اللوم.

وحتى قبل أن يصبح رئيساً للسلطة الفلسطينية في يناير عام 2005، كان عباس دائماً شخصية سياسية ذات دور مهم. وعندما كان رئيس حكومة السلطة، في الفترة بين مارس وسبتمبر 2003، في ظل قيادة الراحل ياسر عرفات، اصطدم عباس مع جميع الذين شكلوا تحدياً لأجندته السياسية التي تخدم أهدافه الشخصية، بمن فيهم عرفات نفسه، وكان صراعه الدائم مع عرفات في تلك الفترة قد جعله المفضل لدى واشنطن.

وتم انتخاب عباس بأغلبية قليلة، بعد أن قاطعت حركة حماس و آخرون الانتخابات الرئاسية، وانتهت مدة فترته الأولى والوحيدة في السلطة عام 2009. لكن بعد مرور عقد من الزمن لم يعمل عباس ولا أي حكومة من حكوماته، بالحد الأدنى من متطلبات الديمقراطية. وفي واقع الأمر فإن إرادة الشعب الفلسطيني ظلت رهينة لدى الأثرياء الفلسطينيين لسنوات عدة، حيث ظل هؤلاء يصارعون من أجل الحفاظ على مصالحهم الخاصة.

خطورة الانتخابات الحرة

وفي عام 2006 جاء انتصار «حماس» في المجلس التشريعي ليذكر عباس، وإسرائيل والولايات المتحدة أيضاً، بمدى خطورة الانتخابات الحرة. ومنذ ذلك الوقت لم يعد هناك الكثير من الحديث عن الحاجة إلى انتخابات جديدة، ولم يتم بذل أي جهود صادقة لتسهيل قيام هذه المهمة. وعلى الرغم من الصعوبات اللوجستية، إذ إن فلسطين محتلة، ليس هناك أي طرف يريد أن يترك الكلمة الأخيرة للشعب. وفي واقع الأمر فإن فلسطين وشعبها غير واقعين تحت حصار الجدران والسياج والجنود الإسرائيليين المدججين بالسلاح فحسب، وإنما تحت حصار قيادتهما الفاشلة.

وفي عام 2007 تقاتلت حركتا حماس وفتح، ما أدى إلى الاستقطاب الحاد الحالي، حيث انقسم الفلسطينيون سياسياً بين الضفة الغربية تحت سلطة عباس، و«حماس» في غزة المحاصرة.

وعلى الرغم من أن رئيس حكومة إسرائيل، بنيامين نتنياهو، يشتكي غالباً من افتقاره إلى «الشريك الفلسطيني» إلا أن حكومته بمساعدة من واشنطن فعلت ما بوسعها لضمان الانقسام الفلسطيني.

وتم التوقيع على العديد من الاتفاقات بين حركتَي فتح وحماس، كان آخرها اتفاقاً بدا مشجعاً أكثر من غيره، وتم في أكتوبر 2017. وكان الفلسطينيون حذرين في حينه، لكنهم كانوا متفائلين أيضاً إذ إنه تم اتخاذ عدد من الخطوات العملية هذه المرة، لنقل المسؤوليات القضائية من حماس إلى حكومة الحمدالله، كما في وزارات غزة المتنوعة، أو على الحدود بين رفح ومصر.

وعندما بدأت عجلة العمل بالتحرك، ما جدد بعض الأمل لدى الفلسطينيين، بأن الأمور هذه المرة ستتغير بصورة حقيقية، تمت مهاجمة موكب الحمدالله خلال عبوره المعبر الرئيس بين غزة وإسرائيل.

بالتأكيد ثمة قوة شريرة أرادت قتل الحمدالله، أو على الأقل أرادت توجيه رسالة عنف تمثل الدعم للذين أرادوا وقف التقدم السياسي بين الفريقين الرئيسين الفلسطينيين. وسارعت «حماس» إلى الإعلان عن اعتقالها للمجرمين، في حين أن «فتح» ومن دون أي تحقيقات، أعلنت أن «حماس» مسؤولة عن مهاجمة موكب الحمدالله، ما أدى إلى توقف جميع مفاوضات المصالحة.

وتلا ذلك خطوات عدة منسقة، تهدف إلى معاقبة غزة ودفع سكانها المحاصرين، الذين حطمتهم الحروب، إلى نقطة اليأس المطلق. ورفض عباس دفع المال للشركة الإسرائيلية التي تزود قطاع غزة بالكهرباء، الأمر الذي جعل القطاع يعيش في الظلام، إضافة إلى إجراءات عدة أخرى من ضمنها إلغاء رواتب الموظفين في غزة.

ورداً على ذلك قام عشرات الآلاف من الغزيين بالتجمع عند السياج الذي يفصل قطاع غزة عن إسرائيل، احتجاجاً على الحصار الإسرائيلي الذي أصبح لا يطاق بعد عقوبات عباس الجماعية.

رد شعبي

وفي الواقع فإن «مسيرات العودة الكبرى» التي لاتزال تجري حالياً، والتي بدأت في 30 مارس 2018، كانت رداً شعبياً على ضجر الفلسطينيين من الحرب والحصار والإهمال الدولي لهم. ومنذ بدء هذه المسيرات، قُتل نحو 200 شخص، كما أن الآلاف تعرضوا للتشوه والإصابة بجروح.

وأصبح عباس الآن في عامه الـ83، كما أن صحته آخذة في التدهور. ويريد أنصاره في حركة فتح ضمان انتقال سياسي يضمن بقاء سيطرتهم على الوضع الفلسطيني، لأن الاحتكار السياسي يقدم العديد من الامتيازات، مثل الثروة، والتميز، والسلطة، والهيبة. وبالنسبة لـ«فتح» فإن الحمدالله وحكومته التصالحية توقفا عن تحقيق الهدف المنوط بهما. وإضافة إلى ذلك فإن حكومة وحدة وطنية مع مجموعات فلسطينية أخرى في هذه الفترة الحاسمة والانتقالية، تبدو مغامرة خطرة بالنسبة لمن يريدون ضمان سيطرتهم في المستقبل.

رمزي بارود صحفي وكاتب أميركي


حقيقة كارثية

تبقى الحقيقة الكارثية أن كل هذا التسييس يجري في ظل قيود الاحتلال العسكري الإسرائيلي، والسياج، والجدران، والخنادق، والمستوطنات غير الشرعية، والطرق الالتفافية الخاصة باليهود فقط، التي تطوق جميع الفلسطينيين من غزة إلى أريحا، ومن القدس حتى رفح، ما يجعل جميع الفلسطينيين، بمن فيهم عباس نفسه، لا يملكون حريتهم، وإن جميع الألقاب السياسية فارغة، وليست لها أي قيمة أمام جندي قناص إسرائيلي واحد يطلق النار على الأطفال من خلال سياج غزة.

وينبغي على الفلسطينيين تحقيق وحدتهم الفلسطينية في أسرع وقت، وليس القيام بمجرد التسويات السياسية بين الفصائل، وإنما وحدة شعب يواجه العدو الوحشي والقمعي ذاته.

بالرغم من أن بنيامين نتنياهو، يشتكي من افتقاره إلى «الشريك الفلسطيني»، إلا أن حكومته، بمساعدة واشنطن، فعلت ما بوسعها لضمان الانقسام الفلسطيني.

طباعة