بعد عقدين من اندلاعها وعشرات الآلاف من الضحايا وكلفة تقدر بمئات المليارات من الدولارات

أميــركا و«طـالبـان» تتجهان لعقد صفقة لإنهاء أطول حروب واشـــــنطن

صورة

توشك الولايات المتحدة وحركة «طالبان» على التوصل إلى اتفاق لإنهاء أطول حرب خاضتها أميركا في تاريخها، وذلك بعد ستة أيام من أكثر مفاوضات السلام خطورة وتعقيداً حتى الآن. واستمرت المحادثات في الدوحة، لفترة أطول بكثير مما كان مخططاً لها، وأطول من أي محاولة سابقة لإنهاء الصراع الذي دام 17 عاماً، وتحدث الجانبان علانية عن حدوث تقدم، وهو أمر نادر الحدوث مقارنة بالمباحثات السابقة في هذا الشأن. وقال كبير المفاوضين الأميركيين، زلماي خليل زاد، على «تويتر» إن المحادثات كانت «أكثر إنتاجية مما كانت عليه في الماضي». وأعرب عن أمله في استئناف المحادثات قريباً. وقال أيضاً إنه سيتوجه إلى العاصمة الأفغانية كابول، لإجراء مشاورات مع الحكومة. وصرح قائلاً «لدينا عدد من القضايا المتبقية لعلاجها». وأضاف أنه لن يتم الاتفاق على أي شيء حتى يتم التوافق على كل شيء، ويجب أن يتضمن ذلك حواراً بين الأفغان واتفاقاً على وقف شامل لإطلاق النار.

دمية أميركية

وتشير تعليقات خليل زاد إلى أن النقاط الشائكة الرئيسة تتمثل في شروط «طالبان» لوقف إطلاق النار، وإقناع المقاتلين بالتخلي عن رفضهم الطويل للتحدث مع الحكومة الأفغانية، التي يستهزئون بها على أنها «دمية أميركية». ومع ذلك فهذه هي المرة الأولى منذ تسع سنوات من جهود السلام المتقطعة، التي تبدو فيها جميع الأطراف جادة بشأن التوصل إلى اتفاق يتم في مرحلته الأولى إعلان هدنة من جانب «طالبان» مقابل انسحاب تدريجي للقوات الأميركية من البلاد، كما تتعهد «طالبان» بعدم السماح للجماعات الإرهابية الدولية باستخدام أفغانستان كمنصة لانطلاق للهجمات ضد الولايات المتحدة. ثم بعد ذلك يضع الأفغان و«طالبان» إطاراً لما سيبدو عليه السلام في ما يتعلق بتقاسم حركة طالبان السلطة، وكيف يمكن أن يؤثر ذلك على مجموعة من القضايا الأخرى، مثل وضع المرأة في البلاد.

ويقول نائب وزير الخارجية الأفغاني السابق، حكمت خليل كرزاي، الذي يرأس مركز دراسات النزاعات والسلام، ويشارك في جهود السلام: «منذ أن بدأت الولايات المتحدة في إشراك طالبان في مثل هذه المباحثات، فإن هذه هي المرة الأولى التي تبدو فيها الأطراف أقرب إلى الاتفاق منذ سنوات». ويضيف: «أشعر بأن هناك جدية من كلا الجانبين، وأشعر بأن هناك التزاماً، وأن هناك عزيمة». ويقول وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو على «تويتر»: «إن الأنباء الواردة مشجعة، والولايات المتحدة جادة في سعيها لتحقيق السلام».

جدية

ويقول كرزاي إن الجانب الأميركي أظهر جدية من خلال البدء في مباحثات لا تشمل فقط عقد اجتماعات موسعة مع «طالبان»، بل والتواصل مع جميع الأطراف الفاعلة الإقليمية وأصحاب المصلحة، مثل باكستان وروسيا والصين، للتعاون في هذا الجانب. ويضيف: «أرى أيضاً تصميماً من جانب (طالبان)، وأرى أنهم يتحركون إلى ما وراء خطابهم النمطي، وأنهم ليسوا فقط مشاركين لكنهم ملتزمون بالتسوية السياسية». وأكدت الحركة إيمانها بأهمية المحادثات من خلال تعيينها أحد أقوى مسؤوليها، الملا عبدالغني بارادار، بصفته كبير مفاوضي السلام، في اليوم الرابع من هذه المحادثات، وكلما أحرزت المباحثات تقدماً يؤجل خليل زاد رحلته إلى كابول، حيث من المتوقع أن يطرح الصفقة أمام الرئيس أشرف غني، الذي تم استبعاد حكومته حتى الآن.

وفي وقت متأخر من يوم السبت، أعاد المتحدث باسم «طالبان»، ذبيح الله مجاهد، تأكيد موقف طالبان، قائلاً «إلى أن يتم الاتفاق على مسألة انسحاب القوات الأجنبية من أفغانستان فإن التقدم في قضايا أخرى أمر مستحيل». إلا أن مجاهد قال إنه تم إحراز تقدم بشأن الانسحاب، وأكد أن حركته مازالت تفضل التفاوض. وأضاف: «بما أن هذه القضايا بالغة الأهمية وتحتاج إلى مناقشة شاملة، فقد تقرر التباحث حول الأمور التي لم يتم حلها في اجتماعات مستقبلية مماثلة». وتسربت الخطوط الرئيسة للصفقة الناشئة من خلال مصادر طالبان، بينما تكتم على ذلك المسؤولون الأميركيون، على الرغم من أن الدبلوماسيين الغربيين أكدوا ضمنياً هذه الخطوط العريضة.

وعد بالانسحاب

يعد الأميركيون بسحب قواتهم البالغ عددها 14 ألف جندي، شريطة أن توافق «طالبان» على عدم السماح مرة أخرى باستخدام أراضيهم من قبل متطرفين مثل القاعدة، وهي الشبكة الإرهابية التي شنت هجمات 2001 على الولايات المتحدة منطلقة من أفغانستان، وأطلقت شرارة الحرب. ويبدو أن الوضع يسوده كثير من التفاؤل إلا أنه كما يقول المثل: الشيطان يكمن في التفاصيل، مثلاً متى سيكون وقف إطلاق النار؟ وهل سيبدأ قبل أو بعد أو أثناء الانسحاب الأميركي؟ وكم من الوقت سيستغرق الانسحاب؟ كل هذه الأسئلة من المحتمل أن تخلق بعض الإرباكات للصفقة النهائية.

وظلت مصادر «طالبان» متفائلة، حتى بعد أن أعرب الدبلوماسيون الغربيون عن قلقهم من عدم وجود صفقة في هذه الجولة التي جرت في الدوحة. وبعد ظهر يوم السبت، قال المسؤول السابق في حركة طالبان، سيد أكبر آغا، والذي يعيش الآن في كابول لكنه ظل على اتصال وثيق بزعماء المتمردين، «إنه تحدث إليهم للتو». وأضاف: «قيل لي إن المحادثات تمضي قدماً بشكل جيد للغاية ونحن قريبون من التوصل إلى اتفاق»، ومهما كانت النتيجة هذه المرة، يقول آغا: «لم تكن أفغانستان قريبة من السلام في السنوات الماضية مثل ما نشهده الآن من تطورات».

وبعد ما يقرب من عقدين من الحرب التي كلفت عشرات الآلاف من الأرواح ومئات المليارات من الدولارات، عبر الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن امتعاضه من استمرار دور الولايات المتحدة في أفغانستان. وفي ديسمبر اقترح سحب نصف القوات الأميركية البالغ عددها 14 ألف جندي في الأشهر المقبلة. وكان ذلك قبل أن يبدأ خليل زاد جولته الأخيرة من المفاوضات المباشرة مع حركة «طالبان»، والتي بدأت يوم الاثنين وكان من المتوقع في البداية أن تستمر يومين فقط، كما كان عليه الحال في الجلسات السابقة. وشهدت أفغانستان العديد من الهدنات، ولا يعتقد معظم المراقبين أن الجيش الأفغاني قادر على الصمود ضد طالبان دون دعم أميركي. وبمجرد رحيل الأميركيين لا تستطيع أي جهة أن تضمن أي هدنة.

ويقول السفير الأميركي السابق في أفغانستان، ريان كروكر، إن ما يجري من مفاوضات هو بمثابة اندفاع أميركي نحو المخارج. ويضيف «لا أستطيع أن أرى هذا سوى انه جهد لوضع أحمر الشفاه على ما سيكون انسحاباً أميركياً في ما بعد، قائلاً إن ذلك يذكره بمحادثات باريس للسلام في حرب فيتنام. ويقول «بالذهاب إلى المائدة، كنا في الأساس نقول للفيتناميين الشماليين والفايت كونغ: نحن نستسلم، نحن هنا فقط لنحدد البنود». ويختتم حديثه «لا أعتقد أن هذا سيفضي إلى أي وضع أفضل، ليس لدينا الكثير من النفوذ هنا».

في الأيام المقبلة، سيكون هناك الكثير من النقاش حول ما إذا كان الأميركيون أم «طالبان» هم المستعدون للتنازل أكثر، لكن لا يمكن لأحد أن ينكر الأهمية التاريخية لهذه الخطوة الأولى.

وسيستغرق الأمر شهوراً أو حتى سنوات قبل التوصل إلى تسوية سلمية نهائية، ولكن هذه هي المرة الأولى التي يتحقق فيها تقدم فعلي نحو آفاق السلام، فقد فشلت كل الجهود السابقة لبدء محادثات.

كانت التكلفة البشرية عالية للغاية: 2419 من الأميركيين. 1142 قوات متحالفة؛ وما لا يقل عن 62 ألفاً من الأفراد العسكريين والشرطة الأفغانية، وربما حياة العديد من أفراد «طالبان»، وأكثر من 24 ألفاً من المدنيين على مدى العقد الماضي؛ وضعف هذا العدد على الأقل من الجرحى والمشوهين من جميع الجهات.

كانت التكلفة المالية عالية للغاية أيضاً، أنفقت الولايات المتحدة وحدها 932 مليار دولار منذ 2001 في أفغانستان، وأنفق حلفاؤها والوكالات الدولية مليارات أكثر. وفي ما يتعلق بمساعدات إعادة الإعمار وحدها، أنفقت أميركا على أفغانستان أكثر مما أنفقت على خطة مارشال بأكملها لإعادة بناء أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية. ولطالما اتفق العديد من صناع السياسة - ومعظم الأميركيين - على أن الوقت قد حان للخروج من أفغانستان وتسليم الأمور إلى المواطنين الأفغان.

• هذه هي المرة الأولى منذ تسع سنوات من جهود السلام المتقطعة، التي تبدو فيها جميع الأطراف جادة بشأن التوصل إلى اتفاق يتم في مرحلته الأولى إعلان هدنة من جانب «طالبان» مقابل انسحاب تدريجي للقوات الأميركية من البلاد.

طباعة