تعد أبشع الفصول منذ العبودية

100 مليار دولار تتدفق خارج القارة الإفريقية بصورة غير شرعية

صورة

كان العاشر من الشهر الجاري مناسبة مميزة تمثلت في مرور سبعة عقود على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، واحتفلت الحكومات ومنظمات المجتمع المدني حول العالم بهذه المناسبة بمجموعة من الأنشطة. وكان هذا الإعلان خلال السنوات الماضية يمثل شعلة كفاح الأفارقة ضد الاستعمار وتحقيق المساواة الاقتصادية والتنمية المستدامة، ومثلت بنود الإعلان أهدافاً ملهِمة للدول الإفريقية، ومعايير يتعين على هذه الدول الالتزام بها وتعزيزها، لكن رغم أن هذه الدول تؤكد التزامها بتعزيز قيم الحريات وغيرها، فإنها تتعرض سنوياً لسرقة المصادر المالية الضرورية للترويج وحماية هذه الحقوق.

وتنطبق هذه الحقيقة على معظم الدول الإفريقية، حيث تتدفق المبالغ المالية بصورة غير شرعية إلى خارج القارة، وتراوح هذه المبالغ المسروقة من الدول الإفريقية بين 60 و100 مليار دولار سنوياً. وتتجاوز المبالغ المسروقة من بعض الدول قيمة الاستثمارات الأجنبية الموجودة فيها، إضافة إلى مساعدات التنمية التي تقدمها الدول الغنية، لكن هذا التمويل الذي يمكن استخدامه لضمان الحقوق الأساسية الاقتصادية والاجتماعية، مثل حقوق الضمان الاجتماعي، والعمل الشريف، والكرامة الإنسانية، يتم إرساله إلى مناطق سرية تعرف بأنها «جنة ضريبية» لصالح شركات تملكها النخبة الحاكمة في الدول الإفريقية.

وفي عام 2015 نشرت اللجنة الاقتصادية في الاتحاد الافريقي تقريراً عن تدفق الأموال غير الشرعية إلى خارج القارة، وأنجز هذا التقرير «الهيئة العليا حول تدفق الأموال غير الشرعية إلى خارج إفريقيا»، ويحمل اسم «تقرير مبيكي» على اسم رئيس جنوب إفريقيا السابق ثامبو مبيكي، وهو يعرِّف الأموال التي يتم إخراجها من القارة السمراء بصورة غير شرعية بأنها «أموال تم اكتسابها ونقلها واستخدامها بصورة غير شرعية»، ويتضمن هذا التعريف غسيل الأموال، والتهرب الضريبي، والإساءة المنظمة للأسواق، إضافة إلى الممارسات التي «تتعارض مع القوانين والنظم المعمول بها، بما فيها الالتزامات القانونية بدفع الضرائب».

التلاعب بالفواتير

ويرجع 30% من الأموال التي يتم إخراجها من القارة بصورة غير شرعية إلى نشاطات إجرامية، و5% إلى الفساد. وأشارت الهيئة إلى أن 65% من تلك الأموال ترجع إلى النشاطات التجارية والاقتصادية، وأكثر الطرق شيوعاً في السرقات التجارية هي ممارسات التلاعب بالفواتير، حيث تذكر الشركات في هذه الفواتير أنها تقوم بتصدير بضائع بأقل من قيمتها الحقيقية بكثير، الأمر الذي يسفر عن انخفاض كبير في الضرائب التي تدفعها الشركات، وكذلك التعرفة الجمركية وضريبة القيمة المضافة.

وخسرت نيجيريا التي تعد أضخم اقتصاد في افريقيا، كما أن تعداد سكانها هو الأكبر في القارة السمراء، 2.2 مليار دولار بهذه الطريقة عام 2014، حيث يعادل هذا المبلغ 4% من عائدات الدولة السنوية، وفق منظمة النزاهة المالية العالمية التي مقرها واشنطن العاصمة.

ويمكن استخدام هذه العائدات التي يتم تهريبها إلى الخارج في مجال الاستثمار أو التعليم أو الصحة أو لمعالجة المشكلة الملحة المتمثلة في سرقة الأجور الحكومية. وتعجز 30 من أصل 36 ولاية تتألف منها نيجيريا عن دفع رواتب موظفيها في الوقت المناسب. واستناداً إلى تقرير يحمل عنوان «نعمل من أجل السلام في شمال شرق نيجيريا، الذي نشره «مركز التضامن» وهي منظمة عمل دولية مقرها الولايات المتحدة، في سبتمبر الماضي، فإن العاملين في المجال الطبي الذين يقومون برعاية النازحين الهاربين من منظمة «بوكو حرام» الإرهابية، يحصلون على رواتبهم الحكومية بصورة غير منتظمة، على الرغم من حقيقة أنهم إضافة إلى المعلمين وموظفي الخدمة المدنية، مستهدفون ويتم قتلهم من قبل المجموعات المتطرفة.

وتخسر غانا نحو 1.4 مليار دولار سنوياً كأموال تتدفق بصورة غير شرعية خارج القارة، ونظراً إلى خروج هذا المبلغ الكبير من الدولة، اضطرت غانا إلى الاقتراض من صندوق النقد الدولي.

وتعرضت دولة جنوب إفريقيا، وهي أكثر دول العالم انعداماً للمساواة على الصعيد الاقتصادي، لخسارة نحو 7.4 مليارات دولار كأموال تتدفق إلى خارج الدولة في الفترة بين 2010 و2014. وبالنظر إلى أن نسبة البطالة في هذه الدولة تبلغ 36.6%، كما أن ربع السكان يعانون الفقر المدقع، فإن خروج مثل هذه الأموال من الدولة بصورة غير شرعية له عواقب وخيمة.

ومع وجود هذا النوع من السرقات، كيف يتسنى للمواطنين في هذه الدول النامية أن يضمنوا الوعد العالمي لهم بالحصول على الحريات الأساسية؟ إن محاربة تدفق هذه الأموال إلى الخارج هي أهم الأولويات بالنسبة للقارة السمراء، لكن دول العالم الأخرى خارج افريقيا يمكن أن تلعب دوراً مهماً في ذلك.

وسيكون الاجتماع المقبل للكونغرس الأميركي بهذا الخصوص فرصة مهمة لمعالجة تدفق هذه الأموال بصورة غير شرعية خارج الدول الإفريقية. وأشار تقرير مبيكي إلى أن الولايات المتحدة هي الوجهة الرئيسة التي تصلها هذه الأموال غير الشرعية، خصوصاً تلك التي يتم اقتطاعها من خلال التلاعب بأسعار النفط في نيجيريا، والجزائر، والمعادن الثمينة في دول الاتحاد الجمركي في جنوب إفريقيا، والكاكاو في ساحل العاج.

وعلى الرغم من الانقسام والاستقطاب الحزبي الحادين اللذين يميزان السياسة في واشنطن حالياً، فإن ثمة قضايا يمكن أن تحقق النجاح والتقدم، ومحاربة تدفق الأموال غير الشرعية إلى خارج دول إفريقيا هي إحدى هذه القضايا.

فرصة

يمتلك الكونغرس الجديد الفرصة لدراسة وتقديم السياسات التي تجعل من امتلاك، وإدارة الشركات، أكثر شفافية، ودعم إجراءات محاربة الفساد، وتعزيز الأنظمة الجمركية الإفريقية وحماية الحدود، والطلب من البنوك القيام بواجبها لمنع تدفق الأموال غير الشرعية إلى خارج الدول الإفريقية، واستعادة الأموال المسروقة، الأمر الذي سيمكن هذه الدول من الاستثمار في التنمية الاقتصادية الشاملة التي تضمن الحريات الأساسية للجميع.

ويمتلك الكونغرس الجديد الفرص للمساهمة في وضع نهاية لهذا الفصل، وتأمين الحقوق الأساسية للعديد من دول إفريقيا.

• %30 من الأموال التي يتم إخراجها من القارة بصورة غير شرعية تعود إلى نشاطات إجرامية، و5% إلى الفساد.

• نيجيريا التي تعد أضخم اقتصاد في إفريقيا خسرت 2.2 مليار دولار بسبب التلاعب بالفواتير عام 2014، إذ يعادل هذا المبلغ 4% من عائدات الدولة السنوية، وفق منظمة النزاهة المالية العالمية.

طباعة