بسبب ضيق ذات اليد.. ومن أجل حوافز مادية ومعنوية

الشباب الأفغان يضطـرون إلى الذهــــاب للقتال في سورية لمصلحة إيران

صورة

خلال السنوات الأربع الماضية، استقطبت إيران آلافاً من الشباب الأفغان للمشاركة في الحرب في سورية، مقابل حوافز مادية ومعنوية مغرية للغاية. ويضطر هؤلاء الشباب الأفغان إلى خوض حرب جهة أخرى، مدفوعين بمشكلاتهم الاقتصادية وولائهم الديني، إذ يعتقدون بأنهم يحمون أماكن مقدسة، وفقد بعضهم أصدقاءه وأقاربه في المعارك، أو أصيبوا هم أنفسهم بجروح خطرة، وقتل منهم ما يصل إلى 840 شخصاً. وتلقي مقابلات حديثة ونادرة مع مقاتلين أفغان عائدين إلى عائلاتهم في هيرات الضوء على اليأس والقنوط الذي يدفع بهؤلاء الرجال للقتال نيابةً عن طهران في سورية، حيث قدمت إلى هناك مجموعات متنوعة من القوات الأجنبية، المدعومة من إيران، لدعم نظام الرئيس السوري بشار الأسد.

وخلافاً للولاء الطائفي، يبدو أن هؤلاء المجندين الأفغان مدفوعون بحكم الضرورة، ويعودون مراراً وتكراراً للخدمة العسكرية من أجل الحصول على بضع مئات من الدولارات، حتى مع علمهم باحتمال تعرضهم للإصابة أو الموت في معارك في الجبهة الأمامية، التي لا يتم فيها إرسال إلا القليل من القوات الإيرانية. وانضم إلى «فرقة فاطميون» التابعة لفيلق الحرس الثوري الإيراني ما بين 5000 إلى 12 ألف أفغاني، معظمهم من اللاجئين أو العمال الأفغان الذين يعيشون في إيران، وينحدر المئات منهم من قوميات هازارا والمجتمعات الشيعية الفقيرة، التي تعيش بالقرب من الحدود الأفغانية الإيرانية، فضلاً عن مناطق أخرى في أفغانستان.

ويشكل الأفغان جزءاً مما يُطلق عليه اسم الفيلق الأجنبي الشيعي الإيراني في سورية، الذي يضم مقاتلين لبنانيين وعراقيين وباكستانيين. وتتفاوت كل مجموعة في العدد عن المجموعات الأخرى، لكن مسحاً لقتلى المقاتلين الشيعة الأجانب الذين قتلوا في سورية، والذي أجرته مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، يُظهر أن أكبر حصة من المقاتلين الذين قُتلوا في هذه الحرب هم من «حزب الله» اللبناني الشيعي، ويأتي بعدهم مباشرة الشيعة الأفغان.

وقالت إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في ديسمبر، إنها تعتقد أن 80% من القوى الداعمة للنظام السوري تتألف من «وكلاء إيرانيين»، بمن في ذلك مقاتلون شيعة أجانب. وتتهم إسرائيل إيران بإرسال ما يصل إلى 80 ألف مقاتل إلى سورية.

إخفاء الخدمة

ومن المستحيل معرفة العدد الدقيق للمجندين الأفغان في سورية، لأن الكثيرين منهم يروحون ويجيئون بين إيران وأفغانستان مرات عدة، ولا يخبرون عائلاتهم بمكانهم، ويخفون خدمتهم العسكرية، خوفاً من إرسالهم إلى السجن في أفغانستان، بسبب تورطهم في قتال بالوكالة عن بلد آخر. ولكن بالنسبة للبعض منهم، لاسيما أولئك المنتمون إلى أقلية الهزارا، التي تعاني الاضطهاد منذ فترة طويلة، فيبدو أن هذه المشاركة شارة شرف.

ويقول حسين (26 عاماً)، وهو أحد رجال الهزارا في هيرات، الذي تبدو على وجهه ويديه ندوب ناجمة عن إصابته بشظايا «لم يجبرنا أحد على الذهاب للقتال هناك، لكنه يجلب لنا نوعاً من الفخر». واشترك حسين في أربع عمليات انتشار في سورية منذ عام 2014، حيث كان يحصل على أكثر من 600 دولار في الشهر، وعاد من الجبهة قبل شهرين. ويقول إنه قرر أصلاً التجنُّد عندما كان يعمل نجاراً في إيران، حيث شاهد شريط فيديو لأحد مقاتلي تنظيم «داعش»، وهو يقطع رؤوس الضحايا.

حسين، الذي لم يرغب في الكشف عن هويته بشكل كامل، خوفاً من اعتقاله من قبل عناصر الأمن الأفغانية، قدم وصفاً مفصلاً بشأن تجنيده. ووصف عمليات التدريب من قبل المدربين الإيرانيين بالأسلحة والدبابات الروسية، والليالي الطويلة من القتال في الصحراء ضد تنظيم «داعش» والميليشيات الأخرى المناهضة للأسد، والصراع مع البيروقراطية العسكرية الإيرانية للحصول على المزيد من العلاج الطبي. ويمضي حسين قائلاً «تجد نفسك فجأة في موقف حرج، وكل ذلك مقابل المال والطعام، والوعد بمزيد من العلاج الطبي، ولكي يعطوك وثائق للتنقل بحرية داخل إيران».

تكتيك

ووصفت جماعات حقوق الإنسان استخدام الحكومة الإيرانية للأفغان والمقاتلين الأجانب الآخرين بأنه تكتيك لإنقاذ أرواح الإيرانيين، وإسكات الانتقادات المحلية التي تتهمها بالتورط في نزاع خارجي فوضوي مدمر. وقالت بعض الجماعات إن صبية لا تتجاوز أعمارهم 13 سنة تم إقحامهم في القتال، وإن المجندين تلقوا تدريباً وجيزاً، وكثيراً ما عانوا خسائر فادحة. وأفادت التقارير بأن جهود الأفغان والمقاتلين الأجانب الآخرين كانت حاسمة في معركة حلب وغيرها، التي حولت الحرب إلى مصلحة الأسد.

وتنفي طهران استخدام المقاتلين الأجانب كتكتيك لتجنب وقوع إصابات بين شبابها. ويصف المسؤولون الإيرانيون الأفغان بأنهم متطوعون عقديون. ويقول الخبراء إن هدف إيران الرئيس من الحرب هو توسيع نفوذها، بدءاً من حدودها مع أفغانستان، وعبر الشرق الأوسط إلى لبنان.

ويبدي المسؤولون الأفغان معارضتهم للتعاون السري بين المواطنين الأفغان وإيران في حرب فوضوية في الشرق الأوسط. كما زاد ذلك من تعقيد علاقات أفغانستان المتوترة مع إيران، الجارة والشريك التجاري الأكثر قوة، والتي تربطها معها حدود مشتركة طويلة، وقد أثار ذلك شبح الصراع الطائفي داخل أفغانستان، الذي تسعى الحكومة الأفغانية لتجنبه الآن إلى حد كبير.

ولسنوات عديدة، عانت الأقلية الشيعية في أفغانستان التمييز والقمع على أيدي القومية الباشتونية ذات الأغلبية السنية والعرقية. وفي كثير من الأحيان كان الشيعة يتطلعون إلى إيران للحصول على ملاذات ووظائف. والآن، تقوم إيران بترحيل العمال الأفغان المقيمين فيها بصورة غير قانونية، ولكنها تستغلهم في الحرب في سورية، ما يقود إلى الشك بأن إيران قد تستخدمهم لتحدي هيمنة السنة في الداخل.

تباطؤ التجنيد

لكن وتيرة وشدة التجنيد الإيراني لهؤلاء الأفغان تباطأت إلى حد كبير مع سيطرة النظام السوري تقريباً على معظم أنحاء البلاد. ويقول حسين «في البداية كانت السلطات تجند أي شخص، شاباً أو كبيراً، شيعياً أو سنياً، كنا نسجل في الصباح وبعد الظهر يرسلوننا إلى التدريب». ويضيف: «الآن تغير البرنامج، وأصبح أكثر انتقائية، فهناك حوافز إضافية لمن يظل في القتال فترة طويلة، تشمل عروض عمل أو تصاريح إقامة، والتي لم تعد متوافرة الآن لمعظم الأفغان في إيران».

في البداية، اعتقد الكثير من الرجال أنهم كانوا يقاتلون من أجل شيء عقدي، لكنهم في النهاية وجدوا أنفسهم يقاتلون من أجل المال. ويقسم حسين، الذي يبيع الآن الخضراوات في هرات، بأنه لن يعود أبداً إلى سورية. ويقول: «في إيران، كانوا يستخفون بنا كلاجئين، لكن بعد الحرب في سورية حظينا بالاحترام».

أحد المقاتلين، واسمه عبدالرزاق (21 عاماً)، من هيرات، كان يأمل في وقت ما أن يصبح محامياً، ويتلقى دورات في الكمبيوتر. وتقول والدته، وهي أرملة تدعى صديقه، ولها ابنتان شابتان، إنه وجد صعوبة في العثور على عمل، وقرر الالتحاق في الربيع الماضي بالقتال في سورية، ولم يخبر والدته بمكانه، لكنه أرسل إليها 500 دولار، وهو ما يكفي لاستئجار منزل وتأثيثه.

وتقول صديقه «لقد غيرته الحرب إلى شخص مختلف»، مضيفة أن عبدالرزاق عاد إلى البلاد لفترة وجيزة الشهر الماضي، لكنه سرعان ما عاد إلى إيران، ومنها إلى الجبهة، وهو الآن معيل الأسرة، لذا عليه أن يذهب للقتال، لم أسمع عنه منذ مغادرته.

الموت مقابل 30 دولاراً

يقول مقاتل آخر، واسمه نعيم (27 عاماً)، إنه نجا من القتل في أربع عمليات انتشار في سورية، وإنه أقحم نفسه في الحرب في عام 2015، عندما كان في زيارة لإيران، وبحث دون جدوى عن عمل، بينما كانت عائلته تضغط عليه في هيرات لإرسال الأموال. ولاحظ أن الملصقات في طهران تطلب من المواطنين دعم المجهود الحربي، فقرر التسجيل. كانت هذه خطوة يائسة أرسلته في نهاية المطاف إلى مستشفى عسكري إيراني لأسابيع، عندما ضرب صاروخ دبابته في الصحراء السورية، وأصبح فاقداً للوعي. ويقول «يموت الأفغان مقابل 30 دولاراً في اليوم»، ويضيف نعيم، الذي يبيع الآن المعجنات المقلية مقابل أجر ضئيل في كشك على الرصيف في هيرات: «مات ابن عمي أمام عيني»، لكنه يستدرك: «لا يوجد عمل لنا في أي مكان، ليس أمامنا شيء نؤديه سوى القتال، أعرف أنني أغامر بحياتي، لكنها مسألة ضرورة».

السبب الرئيس الذي جعله يواصل القتال هو توفير ما يكفي من المال للزواج بخطيبته، حيث يتطلب الزواج، حسب العادات الأفغانية، إنفاق آلاف الدولارات على هدايا المهر وعرس ضخم، لكن عندما عاد إلى الوطن في الرابع من مايو هذا العام، وفي حوزته 700 دولار، انهار عالمه، بعدما علم أن أسرة الفتاة تخلت عنه، وملّت انتظاره، وألغت الخطوبة. وفي تلك الليلة ذهب وغامر بكل أمواله في الميسر.

• إيران تقوم بترحيل العمال الأفغان المقيمين فيها بصورة غير قانونية، لكنها تستغلهم في الحرب في سورية، ما يقود إلى الشك في أن إيران قد تستخدمهم لتحدي هيمنة السنة في الداخل.

• «نعيم (27 عاماً) نجا من القتل في 4 عمليات انتشار في سورية، وأقحم نفسه في الحرب في عام 2015 عندما كان في زيارة لإيران، وبحث دون جدوى عن عمل، بينما كانت عائلته تضغط عليه في هيرات لإرسال الأموال».