أصبحت تميل إلى توجهات الحزب الحاكم

المحكمة العليا الأميركية مسيّسة.. وتتجه لفقدان عدالتها

القاضي بريت كافانوف يصافح الرئيس الأميركي ترامب بعد أن عينه الأخير في المحكمة العليا. رويترز

مادام الرئيس الأميركي دونالد ترامب مصمماً على اختيار القضاة المحافظين في المحكمة العليا، فإن التساؤل المطروح دائماً: ما إذا كان سيستبدل القاضي أنثوني كينيدي بـ«محافظ في الأعمال» أو «محافظ ديني». ولم يفكر أحد جدياً بأنه يمكن أن يفكر باختيار قاض معتدل وليبرالي أو شخص غامض من الناحية الأيديولوجية، بدلاً من كينيدي. وما لاشك فيه أن القاضي بريت كافانوف، الذي عيّنه ترامب، أخيراً، في المحكمة العليا، هو شخص محافظ بامتياز.

وأصبح الجميع معتادين على الحالة التي يغير فيها الرؤساء قضاة المحكمة بما يتوافق مع توجهاتهم، ونسي الشعب أن يطرح أي تساؤل بشأنها. ولكننا نتساءل عما إذا كانت المحكمة العليا التي أصبحت منقسمة بشدة بين الأيديولوجية المحافظة والليبرالية قادرة على الحفاظ على ثقة الشعب بالمستقبل.

ودخلت المحكمة العليا أخيراً في مرحلة من الانقسام الحزبي، وإذا نظرنا إلى قضايا تعود إلى فترة الخمسينات والستينات من القرن الماضي، لتوضيح هذا الانقسام، فإننا سنرى أن نسبة التصويت في الاتجاه الليبرالي من قبل قضاة تم تعيينهم من قبل رؤساء ديمقراطيين كان مرتفعاً جداً. وينطبق الأمر ذاته على الطرف الآخر، إذ إن نسبة المصوّتين نحو الاتجاه المحافظ من قبل قضاة تم تعيينهم بوساطة رؤساء جمهوريين ارتفع كثيراً.

اتساع الفجوة

وهذا التوجه قوي، ومثير للرعب. وفي خمسينات وستينات القرن الماضي كان الانحياز الأيديولوجي من قبل المعينين من الحزب الجمهوري والديمقراطي متواضعاً نسبياً. ولكن الفجوة بدأت تتسع بين الطرفين. وحتى في فترة تسعينات القرن الماضي، كان من الممكن للقضاة أن يصوّتوا في اتجاهات أيديولوجية غير متوقعة. وفي قضية ترجع إلى عام 1991، على سبيل المثال، صوّت القاضي الوحيد المعين من الحزب الديمقراطي في المحكمة العليا بايرون وايت بصورة محافظة، أكثر من جميع القضاة المعينين من الحزب الجمهوري، باستثناء اثنين، هما أنتونين سكاليا، وويليام رينكويست. وشهدت هذه الفترة تصويت العديد من القضاة المعينين من الحزب الجمهوري أمثال ساندرا داي أوكونور، وهاري بلاكمان، وجون بول ستيفنز، وديفيد سوتر، إلى جانب قضايا ليبرالية.

ولكن خلال السنوات الـ10 الماضية، بات من النادر أن يصوّت القاضي بخلاف أيديولوجية الرئيس الذي عينه في المحكمة العليا. وكان القاضي أنثوني كينيدي الذي عينه الرئيس الجمهوري السابق رونالد ريغان، هو فقط الذي صوّت بخلاف أيديولوجية الرئيس الذي عينه. ولهذا بعد استبداله من قبل الرئيس الحالي ترامب أخيراً بقاض آخر ملتزم بالأيديولوجية الجمهورية، سيكون من المستحيل اعتبار المحكمة العليا بأنها مؤسسة غير حزبية.

ومن الصعوبة بمكان التفكير بأي سوابق تاريخية. ولكن من المعروف أن أشهر فترة في الانقسام الأيديولوجي في المحكمة العليا كان في ثلاثينات القرن الماضي، عندما تم إفشال قانون ليبرالي بصورة متكررة. ولكن هذا الانقسام يختلف عما هو حاصل في أيامنا من ناحية التشبث القوي بالأيديولوجية التي ينتمي إليها القاضي.

انقسام قديم

ويرجع الانقسام الحديث في المحكمة العليا التي كان يطلق عليها «محكمة وارن»، حيث كان يترأسها القاضي إيرل وارن، إلى خمسينات وستينات القرن الماضي. ولم تكن هذه المحكمة حزبية، إذ إن اثنين من قضاتها الليبراليين، هما ويليام برنان، وإيرل وارن تم تعيينهما من الرئيس السابق دوايت أيزنهاور، وهو جمهوري. ولكن محكمة وارن اتخذت مواقف ليبرالية في معظم القضايا المثيرة للجدل في ذلك الوقت، بما فيها الحقوق المدنية، وحقوق المشتبه فيهم من المجرمين والمنشقين السياسيين. ولكن قضية «رو فادي» المتعلقة بقرار يحد من الإجهاض كانت بمثابة محفز للمحافظين. وبات المرشحون الجمهوريون لمنصب الرئاسة يقطعون الوعود بتعيين قضاة محافظين في المحكمة العليا. لكنهم لم يتمسكوا بوعودهم دائماً. ولايزال الجمهوريون عاجزين عن مسامحة الرئيس ريغان، لأنه قام بتعيين قاضيين من المعتدلين. وكذلك الرئيس جورج بوش الأب، لأنه عيّن قاضياً يسارياً. وتزايدت الضغوط من قبل المجموعات المحافظة وإجراءات التدقيق الأيديولوجية على المعينين في المحكمة العليا، الأمر الذي جعل الرئيس جورج بوش الابن يعين قضاة محافظين بامتياز. أما الرئيسان الديمقراطيان السابقان بيل كلينتون وباراك أوباما، فعمدا إلى تعيين ليبراليين في المحكمة العليا، في مسعى منهما لمنع انجراف هذه المحكمة نحو اليمين المحافظ.

وللمرة الأولى في الذاكرة الحيّة، سينظر العامة إلى المحكمة العليا باعتبارها مؤسسة يسيطر عليها الحزبان، حيث يحدّد تصويت القضاة الأعضاء فيها على القضايا المهمة والمثيرة للجدل، استناداً إلى الانتماء الأيديولوجي لآخر الرؤساء الأميركيين الذين قاموا بتعيينهم. هذا في حالة فاز الحزب بمنصب الرئاسة، إضافة إلى الغالبية في الكونغرس. ويبدو أنه من المرجح أنه في المرة الثانية سيتم اقتسام الرئاسة والكونغرس بين الحزبين، وعندها سيتم حظر أي تعيين يريده الرئيس. وهذا ما حدث في عام 2016، عندما رفض الكونغرس الجمهوري اختيار الرئيس الديمقراطي باراك أوباما للقاضي ميريك غارلاند في المحكمة العليا.

ونشهد في أيامنا هجمات مشابهة على النظام القضائي في دول مثل هنغاريا وبولندا، وأنظمة ديمقراطية أخرى غير ليبرالية. وتصبح الهجمات ضد استقلالية النظام القضائي أكثر سهولة، عندما ينظر الشعب إلى هذا النظام القضائي باعتباره مؤسسة سياسية. وهو الأمر الذي يعتبر خطراً داهماً ينبغي أن ينصب عليه اهتمام العامة، وليس على هوية القاضي الذي سيأتي لاحقاً.

لي إيبستين: أستاذ في القانون وخبير في السياسة من جامعة سان لويس في واشنطن

- خلال السنوات الـ10 الماضية، بات من النادر أن

يصوّت القاضي بخلاف أيديولوجية الرئيس الذي

عيّنه في المحكمة العليا. وكان القاضي أنثوني

كينيدي، الذي عيّنه الرئيس الجمهوري رونالد

ريغان هو فقط الذي صوت بخلاف أيديولوجية

الرئيس الذي عيّنه.

- للمرة الأولى في الذاكرة الحيّة، سينظر العامة

إلى المحكمة العليا باعتبارها مؤسسة يسيطر

عليها الحزبان، حيث يحدد تصويت القضاة الأعضاء

فيها على القضايا المهمة والمثيرة للجدل،

استناداً إلى الانتماء الأيديولوجي لآخر الرؤساء

الأميركيين الذين قاموا بتعيينهم.