لعبة بوتين في سورية وصلت إلى نهايتها

الأسد لم يعد منتصراً طالما ترغب روسيا في «تجميد الصراع»

صورة

يبدو أن سورية تتجه بشكل متزايد نحو التقسيم الواقعي الذي يصاحبه صراع عسكري متواصل ولكن على مستوى منخفض، وسياسة فعالة لكنها بطيئة، أو ما يسمى بتجميد الصراع. ربما كان هذا هو هدف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي بدأ وأدار مثل هذه الصراعات في أماكن أخرى، بما في ذلك جورجيا وأوكرانيا. وبالفعل، هناك لاعبون مهمون آخرون في سورية، بما في ذلك إسرائيل والولايات المتحدة، وتركيا والثوار السنة، والذين ربما يكونون راضين عن هذا الواقع الجديد. وعلى النقيض من ذلك، فإن الخاسرين هما نظام الرئيس السوري بشار الأسد، وإيران.

الرد الإسرائيلي

ظلت إيران تضغط كي يهاجم النظام ما تبقى من جيوب الثوار في جنوب غرب سورية، إلا أن وصول الوحدات المدعومة من إيران إلى الحدود يجلب معه إمكانية الرد الإسرائيلي على نطاق واسع. وليس لروسيا مصلحة في مثل هذه النتيجة التي قد تدفع سورية إلى حرب جديدة، وتهدد المكاسب التي حققها نظام الأسد بالفعل. وفي الشرق، يبدو أن روسيا ليست في عجلة من أمرها لمواجهة القوات الأميركية وحلفائها الذين يسيطرون على 30% من سورية شرق نهر الفرات. وألقى وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، القفاز في وجه إيران في خطابه الأسبوع الماضي، عندما أكد أنه من غير المحتمل أن يتخلى الجيش الأميركي عن مواقعه في شرق سورية في أي وقت قريب. وتعمل هذه المنطقة كحاجز لمنطقة مجاورة تهيمن عليها إيران، وتمتد عبر العراق ولبنان وإلى الحدود مع إسرائيل، ويأمل حلفاء الولايات المتحدة الرئيسون، بما في ذلك إسرائيل والسعودية، في احتفاظ الولايات المتحدة بالسيطرة على هذه المنطقة، كأداة للضغط المستمر على طهران. واجتمع ممثلو الولايات المتحدة الأسبوع الماضي مع قادة قوات سورية الديمقراطية في بلدة منبج المتنازع عليها غرب الفرات، وتعهدوا بمواصلة الولايات المتحدة دعمها لهذه القوة التي يهيمن عليها الأكراد.

والسؤال الأخير هو: إلى أين يفضي كل ذلك؟ فبعد أن حققت أهدافها في سورية ترغب روسيا الآن في موازنة دعمها لنظام الأسد مع مصالح أخرى، وتحديداً الاستمرار في تقويض مصالح الغرب في أماكن أخرى من العالم، والحفاظ على علاقات عمل مع القوى الإقليمية الأخرى، بما في ذلك تركيا وإسرائيل، وفي الوقت نفسه، تركز الولايات المتحدة وإسرائيل بشكل أساسي على التحدي الذي يفرضه الوجود الإيراني الإقليمي المتزايد، وستكون النتيجة تقسيم سورية لتصبح بمثابة ساحة لعب ليس له علاقة بالأجندة السورية، وهي حالة جيوسياسية تتمتع فيها روسيا بالكثير من الخبرة في المناورة.


أثبتت روسيا فاعلية في تكتيكاتها الجوية الوحشية

وأنظمتها الحربية، ومهارتها النسبية وقوة جيشها

المحدّث، وحافظت على سلامة قواعدها البحرية

في طرطوس واللاذقية، وقاعدة حميميم الجوية،

وبدا أن موسكو تخلص لحلفائها، واستطاعت أن

تقضي على العديد من المتشددين من شمال

القوقاز الذين شقوا طريقهم إلى سورية.

ونتساءل: ما المؤشرات التي تدل على أن سورية تسير في اتجاه الصراع المجمد؟ دعنا نتمعن في الزيارة الأخيرة للأسد إلى روسيا للاجتماع مع بوتين، ففي المؤتمر الصحافي الذي عُقد عقب الاجتماع، أكد بوتين للصحافيين أنه «في أعقاب النجاحات الملحوظة التي حققها الجيش السوري في مكافحة الإرهاب، ومع تفعيل العملية السياسية، ستبدأ القوات الأجنبية المتمركزة في سورية بالانسحاب من البلاد»، في إشارة إلى أن الرئيس الروسي لم يكن مهتماً بمساعدة نظام الأسد على إعادة سورية بأكملها. وفي غياب الدعم الجوي الروسي الذي يعتمد عليه الجيش السوري في العمليات القتالية الكبرى (بما في ذلك حصار حلب وتدمير الغوطة الشرقية التي يسيطر عليها الثوار)، يصبح استعادة ما تبقى من سورية مستحيلاً.

وتكهن البعض بأن بوتين كان يشير فقط إلى انسحاب القوات الأجنبية المعارضة للنظام. وفي الماضي، سعت موسكو للتفريق بين وجودها في سورية (بدعوة من السلطات السورية «الشرعية») والوجود غير المرحب به للعناصر الأجنبية الأخرى، ولكن في هذه المناسبة، أوضح المبعوث الروسي لسورية، ألكسندر لافرينتيف، أن الرئيس كان يشير إلى «جميع القوات العسكرية الأجنبية المتمركزة في سورية، بما في ذلك القوات الأميركية والتركية و(حزب الله) والقوات الإيرانية».

وأعقب البيان الروسي رد فعل غاضب من طهران. وذكر المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، بهرام قاسمي، للصحافيين في طهران: «أن لا أحد يستطيع إجبار إيران على فعل أي شيء.. وطالما أن الإرهاب موجود، وطالما أن الحكومة السورية تريد وجودنا، سيكون لدى إيران وجود (في سورية)». هذه التصريحات المتصارعة هي مجرد مؤشر واحد لخلاف بين العديد من الخلافات القائمة بين موسكو وبعض حلفائها حول مستقبل سورية. هناك أيضاً نوع من التواطؤ من موسكو بشأن هجمات إسرائيلية جوية واسعة النطاق في الآونة الأخيرة ضد أهداف إيرانية في سورية، ومن الواضح أن موسكو تمنح أيضاً الإذن للأتراك لإنشاء جيوب كبيرة في شمال غرب سورية. وفي غضون ذلك، رفض الأسد خطة روسية لصياغة دستور سوري جديد يحد من سلطاته.

نمط سلوك

ويشير نمط سلوك موسكو في أماكن أخرى من العالم إلى أنها تشعر بالارتياح في حال بقاء النزاعات دون تسوية، وبكلفة منخفضة نسبياً. في أوكرانيا على سبيل المثال لايزال الصراع في دونباس بعيداً عن الحل، ومن خلال استيلائها على أجزاء من مقاطعات دونيتسك ووهانسك، تستطيع روسيا أن تضمن تعطيل الشؤون الداخلية لأوكرانيا كما تشاء، وأن خططها واستراتيجيتها تمثل القضية الأكثر إلحاحاً التي تواجهها أي حكومة أوكرانية.

وفي سورية، تدعم روسيا بالطبع الحكومة، وليس تمرداً صنعته هي بنفسها، كما هي الحال في أوكرانيا. والآن توضح موسكو بما لا يدع مجالاً للشك، أن مصالحها لا تتداخل بالكامل مع مصالح الأسد.

لم يكن مقصد موسكو واضحاً على الفور عندما ظهرت الطائرات الروسية لأول مرة فوق سماء سورية في 30 سبتمبر 2015، حيث تم استقبالها بتصريحات احتفالية في وسائل الإعلام الإقليمية المؤيدة لإيران والمؤيدة لـ«حزب الله». وفي مقال في ذلك الوقت بجريدة «الأخبار» اللبنانية بشر رئيس تحريرها إبراهيم الأمين، بميلاد تحالف «4+1»، الذي سيضم إيران والعراق وأسد سورية و«حزب الله» وروسيا، بيد أن الواقع اليوم يقترح صورة أكثر تعقيداً.

ويتضح من كل ذلك أن روسيا وضعت النقاط على الحروف في ما يتعلق بالأهداف التي رغبت في إنجازها في سورية، حيث إن تدخلها في عام 2015 أنقذ نظام الأسد من هزيمة محتملة، ومنذ ذلك الحين تغيرت حظوظ النظام، وهو يسيطر الآن على نحو 60% من الأراضي السورية. وتم إخلاء آخر جيوب لتنظيم «داعش» في محيط دمشق هذا الأسبوع. وليس هناك أمل في أن ينتصر الثوار على النظام في وقت قريب.

وأثبتت روسيا فاعلية في تكتيكاتها الجوية الوحشية وأنظمتها الحربية، ومهارتها النسبية وقوة جيشها المحدّث، وحافظت على سلامة قواعدها البحرية في طرطوس واللاذقية، وقاعدة حميميم الجوية، وبدا أن موسكو تخلص لحلفائها، واستطاعت أن تقضي على العديد من المتشددين من شمال القوقاز الذين شقوا طريقهم إلى سورية.

بوتين لا يهتم بالمكانة

لكن يبدو أن بوتين لا يهتم كثيراً بالمكانة التي وضعه فيها الأمين، المؤيد لـ«حزب الله»، في مقاله بجريدة «الأخبار» اللبنانية. وبدلاً من ذلك، تود موسكو أن تجعل نفسها الوسيط القوي في الشأن السوري، وهو الباب الذي يمر من خلاله كل من يسعى لتحقيق أهدافه في سورية. ومن أجل ذلك تسعى روسيا لمنح كل حليف جزءاً مما يريد، بدلاً من الميل بكامل ثقلها على واحد منهم. وبالتالي، ترغب روسيا في أن يدوم الخلاف بين تركيا والدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو). ولهذا السبب، اعترفت موسكو بإنشاء جيب إسلامي تركي سني في شمال غرب سورية، يمتد من بلدة جرابلس في الشرق، ويقتطع جزءاً كبيراً من محافظة إدلب. وتركيا حالياً في المراحل النهائية من بناء 12 مركز مراقبة حول إدلب. واستبعد نائب رئيس الوزراء التركي رجب أكداغ، الأسبوع الماضي، أي عودة لمنطقة عفرين التي تم احتلالها أخيراً، إلى نظام الأسد.

لم يكن باستطاعة الأتراك القيام بعمليات لإنشاء هذا الجيب دون موافقة ضمنية من الروس، الذين يسيطرون على الأجواء فوق شمال غرب سورية، ويعتبر النظام بطبيعة الحال الأعمال التركية انتهاكاً لسيادتها، ولكن من دون وجود قوة روسية يستند إليها لا يمكنه أن يفعل شيئاً.

وتجاهلت موسكو في أقصى الجنوب الهجمات الجوية الإسرائيلية واسعة النطاق ضد المنشآت الإيرانية، ولم تبذل الدفاعات الجوية الروسية أي محاولة للتدخل. وأوضح بوتين عقب زيارة قام بها أخيراً رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو إلى موسكو، أن روسيا ليس لديها نية حالياً لتزويد نظام الأسد بنظام الدفاع الجوي إس - 300.