جرائم كاتساف وأعماله المشينـة أطاحت بـه

«فضيحة عادية في دولة ليس هناك أساس أخلاقي لوجودها»، هذا بعض ما قاله صحافيون ومحللون من دول كثيرة، منها عربية وإسلامية، عن فضيحة الرئيس الإسرائيلي السابق موشيه كاتساف، اليهودي الشرقي الملتزم الذي يحترم التقاليد، وكان على الدوام مدافعاً عن القضايا الاجتماعية والمهمشين وغالبيتهم من اليهود الشرقيين، استناداً إلى ما يردده عنه كثير من الإسرائيليين.

هذا الرجل أوقعته أعماله المشينة من التحرش الجنسي والاغتصاب في ورطة، ذهبت بكل ما اكتسبه من احترام شخصي وسياسي طوال حياته، وسرعان ما تحولت إلى فضيحة بكل المقاييس، وجعلت من دخوله السجن مسافة قاب قوسين أو أدنى.

صفقة وفضيحة
نجح كاتساف (64 عاماً) في الإفلات من احتمال دخول السجن، ضمن صفقة قضائية تم التوصل إليها، تضمنت إعلان المدعي العام الإسرائيلي مناحم مزوز الشهر الماضي، التخلي عن توجيه تهمة الاغتصاب إليه وإسقاطها عنه في مقابل إقراره بمسؤوليته عن سلسلة من الجنح الجنسية، لاسيما التحرش والقيام بأعمال غير لائقة.

في ،2006 اي قبل سنة من انتهاء فترة رئاسته، بدأت الشرطة الإسرائيلية التحقيق مع كاتساف في شأن اتهامات قدمت ضده من نساء عملن في ديوان الرئاسة، وتضمنت اعتداءات وتحرشات جنسية وأعمالاً غير لائقة. وأبلغ كاتساف المدعي العام مزوز أنه كان ضحية لابتزاز من هؤلاء النسوة، ولكن، جاء في تقرير مزوز أن عدد ضحايا كاتساف بلغ 10 نساء، وجهت أولاهن إليه تهمة الاغتصاب. وفي أغسطس من ذلك العام، اقتحمت الشرطة الإسرائيلية منزل كاتساف، وصادرت وثائق وأجهزة كمبيوتر، ثم تم استجوابه في 23 من ذلك الشهر نفسه، وسط تحذير من الشرطة بأنه قد يواجه اتهامات بالتحرش الجنسي والفساد والاغتصاب من الدرجة الأولى.



وفي 7 سبتمبر، تم استجوابه للمرة الرابعة، قبل أن تنصحه رئيس لجنة الكنيست روحاما أفراهام بتمديد غيابه عن مهام عمله كرئيس أطول فترة ممكنة. وبعد التحقيق معه للمرة الخامسة في ذلك الشهر، والذي امتد لأكثر من سبع ساعات متواصلة، تم إبلاغه بأن سبع نساء قدمن شهادات ضده تتضمن الغش والتزوير وخيانة الأمانة والتورط في عمليات تسجيل أشرطة بشكل غير قانوني. وفي 21 سبتمبر، ارتفع عدد اللواتي اتهمن كاتساف بالتحرش والاعتداء الجنسي إلى ثماني نساء. وفي 15 أكتوبر، أوصت الشرطة بتوجيه اتهامات الاغتصاب والتحرش الجنسي إلى كاتساف. وفي 29 من الشهر نفسه، نصحه المدعي العام مزوز بالتنحي عن مهام منصبه الرئاسي، بينما أعلن الرئيس من خلال محاميه أنه سيستقيل في حال تمت إدانته. وفي 23 يناير ،2007 أعلن مزوز أنه لا يمكن محاكمة كاتساف قبل انتهاء رئاسته أو استقالته، لأنه يتمتع بالحصانة، وامتنع الرئيس عن الاستقالة، لكن الكنيست وافق له على إجازة لمدة ثلاثة أشهر في 25 يناير، وأصبحت داليا أبستيك رئيسة الكنيست قائمة بأعمال الرئيس الإسرائيلي. واتهم كاتساف وسائل الإعلام بمناصبته العداء وتشويه سمعته منذ فوزه بالرئاسة على منافسه شمعون بيريز في ،2001 ونجا في 7 مارس 2007 من محاولة مساءلته ومحاسبته أمام إحدى لجان الكنيست، ثم أصبحت استقالته سارية المفعول في أول يوليو ،2007 بعد أن كان قد تم انتخاب بيريز في 13 يونيو. وأثارت فضائح كاتساف سخط الرأي العام الإسرائيلي، حيث أدت إلى تظاهرات نظمتها جمعيات لحماية حقوق النساء الإسرائيليات، وامتنع عدد كبير من أعضاء الكنيست والشخصيات السياسية والثقافية وفعاليات المجتمع عن مقابلته أو لقائه، وأبدى كثيرون منهم عدم رغبته في حضور مراسم التأبين في داره في ذكرى اغتيال اسحق رابين، كما تعالت أصوات في الكنيست وعدد من المؤسسات العامة ودوائر صنع القرار تطالب بتجريد كاتساف من الامتيازات الخاصة التي تحق له كرئيس سابق، باستثناء معاش التقاعد.

مفاجآت ومصادفات
حقق كاتساف مفاجأة كبيرة مذهلة، بفوزه في الانتخابات لمنصب الرئيس الإسرائيلي على منافسه السياسي المخضرم بيريز، ليصبح ثاني رئيس لإسرائيل من اليمين، ومن غير اليهود الغربيين (الأشكيناز)، ومن المصادفات خلال رئاسته أنه صافح الرئيس السوري بشار الأسد خلال مراسم تشييع جثمان البابا السابق للفاتيكان يوحنا بولس الثاني في ،2005 وهي المناسبة التي شاءت المصادفة المحضة أن يجلس إلى جانب الرئيس الإيراني حينذاك محمد خاتمي ويتبادل معه عبارات بالفارسية.

وعلق صحافيون ومحللون من دول عربية وإسلامية على فضيحة كاتساف بالقول إن هذا ليس مفاجئاً لأحد في دولة كإسرائيل، قائمة على أساس العدوان واغتصاب حقوق الغير، وتساءل معظمهم: هل يمكن اعتبار هذه الفضيحة والفضائح التي سبقتها أمراً طبيعياً في إطار ثقافة شعب منفتح ومتحرر على الطريقة الغربية؟، وهل هناك ما يبعث على الدهشة أو الصدمة أن يقدم جنود «جيش الدفاع الإسرائيلي» على سرقة الأموال والذهب والمجوهرات، وغيرها من الممتلكات الخاصة في أثناء اقتحامهم لمنازل الفلسطينيين في مدن وقرى الضفة الغربية وقطاع غزة ولبنان، في ظل نظام صارم لحظر التجول، إذا كان رمز دولة هذا الجيش وأرفع منصب فيها فاسداً من غير أخلاق أو ضمير؟ وهل هناك أساس لما يتبجح به أرييل شارون وإيهود أولمرت وإيهود باراك وغيرهم، من ان «جيش الدفاع الإسرائيلي» لديه أفضل الأخلاق وأرفع معاييرها في العالم؟.

فضيحة كاتساف عادية ليس لأنها مرتبطة بثقافة مجتمع قائم على الحرية الغربية، بل هي عادية، لأنها مؤشر قوي على إفلاس أخلاقي للطبقة السياسية في دولة كان الأساس الأخلاقي لوجودها هشاً للغاية منذ البداية، بل ليس له وجود.

ومؤخراً ، قال مصدر قضائي إن محكمة منطقة تل أبيب بدأت الأحد الماضي الاستماع لكاتساف للمرة الأولى بشأن الاتهامات بالاغتصاب والتحرش الجنسي الموجهة إليه. وذكرت الإذاعة الإسرائيلية العامة أن كاتساف وصل إلى المحكمة يرافقه محاموه، ولم يدل بأي تصريحات للصحافيين المتجمعين في المكان.

وهي المرة الأولى التي يدعى فيها الرئيس الإسرائيلي السابق إلى تقديم روايته للوقائع في المحاكمة التي فتحت في التاسع من مايو الماضي.

وتجري المحاكمة في جلسات مغلقة ويفترض ان تنتهي مبدئياً قبل عيد الفصح اليهودي الذي يبدأ في 30 مارس المقبل، حسب ما ذكر مصدر قضائي.

وستعقد حتى ذلك التاريخ ثلاث جلسات أسبوعياً تستغرق كل منها ثماني ساعات. وكان القضاء الإسرائيلي وجه التهمة رسمياً في 19 مارس إلى كاتساف بالاغتصاب والتحرش الجنسي. ويواجه الرئيس السابق عقوبة السجن 16 عاماً في حال ادانته.

وكان كاتساف، وهو أب لخمسة أولاد، استقال من منصبه الرئاسي في يونيو ،2007 بعدما طلب تعليق مهامه في يناير 2007 بسبب الشبهات التي كانت تحوم حوله. واتهمته موظفات كثيرات بالاغتصاب والتحرش الجنسي وأعمال غير لائقة، عندما كان وزيراً للسياحة في التسعينات، ثم رئيساً بعد انتخابه في العام .2000

سيرة
ولد كاتساف (وتعني: قصاب ـ اللحام أو الجزار بالعربية) في مدينة يزد جنوب إيران في ديسمبر ،1945 ثم رحلت عائلته وهو رضيع إلى طهران، وفي 1951 هاجرت بأطفالها الثمانية إلى إسرائيل، واستقرت في مستوطنة كريات ملافي (قرية قسطينة سابقاً) شمال النقب. وفي ،1968 التحق بالجامعة العبرية في القدس، وعمل بالتدريس في مدرسة ثانوية خلال دراسته الجامعية ليتخرج في 1971 بشهادة البكالوريوس في الاقتصاد والتاريخ، وارتبط بزوجته «جيلا» في ،1969 ولهما خمسة أبناء وحفيدان.

وانضم كاتساف إلى حزب الليكود اليميني وهو في الـ،24 وانتخب عمدة لكريات ملافي، وأصبح عضواً في الكنيست في 1977 وعمره آنذاك 32 عاماً، وعمل في حكومات مناحيم بيغن وإسحق شامير نائباً لرئيس الوزراء ووزيراً للبناء والإسكان بين 1981 و1983 ثم وزيراً للعمل والرعاية الاجتماعية بين 84 و1988 ووزيراً للنقل والمواصلات من 88 إلى 1992 ثم نائباً لرئيس الوزراء ووزير السياحة في حكومة بنيامين نتنياهو من 96 إلى .1999 وشغل رئاسة وعضوية عدد من اللجان، منها: رئيس منظمة المهاجرين الإيرانيين، ورئيس لجنة تقرير أقساط التعليم العالي، وعضوية مجلس أمناء جامعة بن غوريون، ورفض في أثناء رئاسته إصدار عفو عن إيغال عمير الذي أقدم على اغتيال رئيس الوزراء إسحق رابين عام .1995

ليس أول فاسد

لم يكن موشيه كاتساف أول الفاسدين في إسرائيل، فقد سبقه كثيرون، منهم:
 


--إسحق رابين: اكتشاف حساب سري لزوجته في أحد البنوك (1975-1976)، وأرغمته الفضيحة على الاستقالة.


--إسحق مردخاي: وزير الحرب السابق اتهم بالتحرش الجنسي


--حاييم رامون: أحد أقطاب حزب العمل وزير العدل السابق، استقال على خلفية تحقيق أظهر تورطه في تحرشات جنسية في أغسطس 2006.


--إيهود أولمرت: رئيس الوزراء السابق الذي يواجه حالياً تهماً بالفساد وتلقي رشا من رجل أعمال أميركي.


--افيغدور ليبرمان: وزير الخارجية يواجه تهماً بتبييض أموال وفساد وتلقيه أموالاً من دون وجه حق.


طباعة