الصحافة ونور الشريف

نور الشريف. أ.ب

أشاع الحكم الذي أصدرته محكمة جنح السيدة زينب بالقاهرة الأربعاء الماضي بإدانة وحبس الصحافيين الذين اتهموا الفنانين نور الشريف وحمدي الوزير وخالد أبوالنجا بالشذوذ الجنسي، جواً من الارتياح لدى قطاع من جمهور الثلاثة، بينما رأى قطاع آخر أن رد الاعتبار الذي حدث بالحكم لم يمح وصمة الفضيحة «المختلقة»، فالفنانون الثلاثة وجمهورهم يرون أن حكما جزئيا أو نهائيا بإدانة الصحافيين لن يعيد سمعتهم الى ما كانت عليه، بمنطق الشرف و«عود الكبريت» المحفور في بلداننا، وباعتبار أن البعض يرى أن براءة شخص أمام المحاكم جنائياً لا تعني براءته فعلياً، لأن الأولى يمكن أن تستند الى ثغرة في الإجراءات أو التباس في النص أو افتقار أو تضليل في الأدلة.

وقد عبر حمدي الوزير نفسه بمرارة عن إحساسه بهذا المعنى بقوله لـ«الشرق الأوسط» بعد الحكم «أنا أب لبنتين وسمعتي تلوثت، وعلى الرغم من أن كثيرين وقفوا إلى جانبي فإن البعض يصر على الفهم الخاطئ. يكفي أن أستاذا جامعيا قال لي: مبروك البراءة، حيث كان يتصور أننا متهمون بالشذوذ ونجحنا في الإفلات من العقاب ونلنا البراءة».

تمثل قضية «الاغتيال المعنوي» للأشخاص وسمعتهم أحد الكمائن الكبرى التي يجد الإعلام نفسه مهما تحسب في قلب شباكها، وتتضاعف حساسيتها في شرقنا العربي لما تمثله من رأسمال رمزي لا يعوض للأشخاص والجماعات والطوائف، ما يجعل مهمة المحقق الصحافي في اخبار المجتمع عن نفسه شائكة، وبحاجة الى مزيد من إعلاء الضمير الاخلاقي المهني وزيادة مهارة الدقة والتدقيق بدرجة تفوق حتى ما يحتاج إليه زميله المحقق الجنائي.

لا يعرف كثيرون من خارج الوسط الإعلامي مستوى الحجب المعلوماتي الذي يعانيه الصحافي في مجتمعاتنا العربية، فالوزارات التي تصدر منشورات لإدارات بأكملها تحظر التكلم للصحافيين، والمصادر التي بحاجة الى شعوذة و«مهراجة» هندي لتكشف للقراء عما تملك من حقائق، والمعلومات المحورة والمشوهة والمبتورة والمعاد إنتاجها والمدسوسة التي تجعل من الصحافي باحثاً عن الحقيقة وسط هرم من القش. كل هذا يشكل بحرا من الظلمات، لكن لا هذا ولا ذاك، ولا إجبار الحكومات للصحف على عمل «مانشيتاتها» من الاجتماعي والفضائحي هروباً من السياسي، يبرر اغتيال شخص معنوياً، لأنه لا شيء يمكن أن يرده للحياة بعد ذلك.

في قضية اتهام نور الشريف وزملائه بالشذوذ جوانب ربما تشي بوجود مؤامرة تعرض لها الإعلاميون أنفسهم الذين نشروا القصة والذين أكدوا وجود محضر تم إخفاؤه وربما فبركته، وبقدر ما نفترض حسن نية الزملاء الإعلاميين ونتذكر أن الحكم النهائي لم يصدر بعد، بقدر ما نتصور أن وضع معايير أكثر دقة للنشر وأكثر تحصيناً للأفراد والمجتمع هو واجب الجماعة الصحافية العاجل، رغم أن المجتمع هو نفسه الأكثر إلحاحاً عليهم في «التبحبح» في نشر أخبار الفنانين لأقصى الحدود.
طباعة