قلق أميركي بشأن «شهر عسل» أوباما

المهلة التي سيمنحها الأميركيون لأوباما ستساعد على إنجازه مهمته. غيتي

في يوم أقل ما يُوصف بالأسطوري التاريخي، شهدت الولايات المتحدة الأميركية يوم الـ20 من يناير الجاري، تنصيب باراك حسين أوباما، الرئيس الرابع والأربعين للولايات المتحدة، وكأول زعيم من أصول إفريقية يعتلي أرفع المناصب السياسية في أميركا.

يوم مميز في ذاكرة الشعب الأميركي لن ينسى ليس فقط لأن بطله هو أول رئيس أسود سوف يمكث في البيت الأبيض أربع سنوات قد تمتد لتكون ثماني سنوات، وإنما أيضًا لأنه ينبع من اللحظة التي تعيشها الولايات المتحدة في الوقت الحالي، وسوف يكون على الرئيس الجديد التعامل معها بذكاء، من أجل أن يعبر بالأمة الأميركية إلى بر الأمان.

تحديات ليس فقط على المستوى الداخلي الذي يعاني من أسوأ أزمة اقتصادية تعصف باقتصاد القوة الكبرى في العالم، وتهدد وضعها الدولي باعتبارها المسيطرة على مقاليد الأمور، ولكن أيضًا تحديات على المستوى الخارجي، بعد ثماني سنوات عجاف عاشتها الولايات المتحدة، تحت قيادة الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش، لم تحصد خلالها سوى كراهية غالبية شعوب العالم عامة والعالم الإسلامي خاصة، بعد حرب شعواء، بلا هدف وبلا مدى زمني أعلنتها على ما تسميه الإرهاب، ودخلت بسببها في حربين فرعيتين في أفغانستان والعراق، سوف تظل تعاني آثارهما في المستقبل.

في ظل هذه الأوضاع يأتي الرئيس الجديد باراك حسين أوباما، حاملاً الإيمان بإمكانية التغيير الذي كان رمزًا لحملته الانتخابية، والأمل في إنجاز هذا التغيير بشعاره «نحن نستطيع». والسؤال هو: هل سيتمكن أوباما من إنجاز الوعود التي قطعها على نفسه خلال الفترة الماضية ومواجهة التحديات التي تعانيها الولايات المتحدة الأميركية؟

إيديولوجيا وبراغماتية

على شبكة «ام إس إن بي سي» استضاف برنامج «واجه الصحافة» الذي يقدمه ديفيد غريغوري، عددًا من الخبراء للحديث عن المستقبل عقب تنصيب أوباما رئيسًا للولايات المتحدة، وهل سيكون قادرًا على استثمار اللحظة التي تعيشها الولايات المتحدة في الوقت الحالي، وفى هذا الإطار أكد المحلل ديفيد بروكس، أن استثمار اللحظة التي تحدث عنها أوباما في خطابه في فيلادلفيا منذ أيام قليلة قبل تنصيبه، كان يعني في أحد معانيه، التحرر من قيد الإيديولوجيا في السياسة الأميركية.

وأشار إلى كتاب كان قد صدر في عام 1961 بعنوان «نهاية الإيديولوجيا»، للمؤلف دانيال بيل، حيث كان الفكر والصراع الإيديولوجيان مسيطرين على الساحة السياسية، وشهدت حقبة الخمسينات ما يعرف بالحقبة المكارثية، والتي كانت من أسوأ الفترات التي شهدتها الولايات المتحدة على مستويات عدة، خصوصاً على مستوى حرية الرأي بحجة محاربة الشيوعية.

وقال أن الكتاب اكتسب شهرة كبيرة خصوصاً أنه بعد 30 عامًا من صدوره تحققت بالفعل تنبؤات المؤلف، وأنه بالنظر إلى أن أوباما قد ولد في عام 1961 ومن ثم فهو يرى نفسه بعيدًا عن تلك السياسات الإيديولوجية التي سادت خلال حقبتي الخمسينات والستينات، فهو الآن ينتهج سياسات عملية براجماتية، يحاول من خلالها الخروج من حالة الأزمة التي تعيشها الولايات المتحدة، فنجده قدم خطة اقتصادية لتحفيز نمو الاقتصاد الأميركي والخروج من حالة الركود التي يعيشها، وبعدها وخلال عام  2010 سوف يبدأ إصلاحًا شاملاً في مجالات الرعاية الصحية والضمان الاجتماعي، ومن ثم فإنه إذا استطاع أن يضع رؤيته موضع التنفيذ، فبلا شك سوف يكون رئيسًا عظيمًا.

وبالنسبة لإمكانية أن يكون أوباما رئيسًا عظيمًا، طرح البرنامج فكرة المقارنة التي تسود في الولايات المتحدة الآن بين باراك أوباما، والرئيس الأميركي السابق أبراهام لينكولن، والذي لايزال على الرغم من مرور نحو 141 عامًا على وفاته، القدوة للرؤساء خصوصاً في أمانته وشجاعته وطموحه الكبير، ومن ثم فهل أوباما باعتباره أول رئيس من أصول إفريقية للولايات المتحدة، وينتمي إلى الولاية ذاتها التي انتمى إليها لينكولن، هذه الولاية التي وقع قادتها على إعلان تحرير العبيد، سيتمكن من استغلال هذا التراث العظيم، وهل ستكون هذه التركة أحد العوامل لأن يأخذ مكانه بين عظماء الرؤساء الأميركيين.

وفى هذا الصدد، أكدت الخبيرة دورث كيرنز غودوين، أن لينكولن بتوقيعه على إعلان تحرير العبيد، انجز خطوة كبيرة أوصلت مواطني الولايات المتحدة الأميركية إلى انتخاب أول رئيس أميركي من أصول إفريقية، ولكن في الوقت نفسه لا يمكن بسهولة أن تجد شخصًا مثل لينكولن ولكن أوباما يحاول أن يصل إلى هذه المرتبة، من خلال إحاطة نفسه بمجموعة من الشخصيات القوية، ما يتيح له مجموعة أكبر من الخيارات، ومن ثم فهو يحاول استدعاء روح لينكولن وطريقته في إدارة العملية السياسية.

سجل مشرف

أما الخبير تافز سمايلي، فقد أكد أن «الرؤساء العظماء لا يولدون وإنما يصنعون»، وأشار إلى استطلاع للرأي تم بين صفوف الجمهوريين الذين أيدوا المرشح الجمهوري جون مكين، أكدت نتيجة الاستطلاع أن 58% منهم يريدون أن يبلي أوباما بلاء حسنا في أثناء فترة ولايته، ومن ثم فإن هذا يعني بالنسبة للسنوات الأربع المقبلة في حكم أوباما، أن الولايات المتحدة ومواطنيها يريدون أن يبلي الرئيس الجديد بلاء حسنا، ومن ثم «فإننا نريده أن يكون عظيمًا، وهو يمتلك المقومات التي تؤهله لذلك ، فالرؤساء، كما أكد سمايلى، يجب أن يتم دفعهم من قبل الشعب ليكونوا عظماء.

وفى هذا السياق، لفت الانتباه إلى أن لينكولن اكتسب عظمته ومكانته الكبيرة في التاريخ الأميركي، ليس فقط بسبب أفكاره العظيمة والنخبة القوية المحيطة به، وإنما كان كذلك لأنه كان هناك رجل يدعى فريدريك دوغلاس إلى جواره ويستلهم منه أفكاره. كان دوغلاس شخصية بارزة في التاريخ الأميركي عامة، وفى تاريخ الأميركيين من أصول إفريقية، ولد في عام 1818 وكان من أشد المناصرين لإلغاء العبودية وحق المرأة في التصويت، وفى عام 1872 أصبح أول أميركي افريقي يرشح لمنصب نائب الرئيس في الولايات المتحدة عن حزب الحقوق المتساوية، واشتهر عنه إيمانه الشديد بالمساواة بين الجميع. وبالتالى فإن سمايلى أكد أنه لابد من أن يكون هناك من يلعب دور فريدريك دوغلاس إذا أردنا أن نرى أوباما رئيسًا عظيمًا للولايات المتحدة الأميركية.

ورأى الصحافي آدم ناغورني، أن انطباعات تسود الآن في الشارع الأميركي، بأنه مع تنصيب أوباما رئيسًا للولايات المتحدة فإن الاقتصاد سوف يستعيد عافيته قريبًا، وأن الجنود الأميركيين في طريقهم إلى الوطن قادمين من العراق، وسوف تمتد مظلة الرعاية الصحية لتشمل كل المواطنين.

ولكن الكاتب يشير إلى أنه يجب عدم الإفراط في التفاؤل، بأن هناك حلولاً سحرية سوف تطبق في الحال فتنهي حالة الأزمة التي تعيشها الولايات المتحدة، واستشهد في هذا الإطار بنبرة الخطاب الهادئة التي اتسمت بها كلمات أوباما التي ألقاها قبل تنصيبه بساعات قليلة، الأمر الذي ينم عن الحذر الشديد من جانبه في بداية عهده الرئاسي.

ولفت ناغورني الانتباه إلى أن الأميركيين سوف يعطون الرئيس الجديد وقتًا أكبر من أى وقت حظي به رئيس جديد للولايات المتحدة الأميركية، لأنهم يعلمون جيدًا أن أوباما جاء في وقت تواجه فيه البلاد تحديات غير مسبوقة.

ومن ناحية أخرى، أشار الكاتب إلى أنه إذا كان منطقيًا أن يحظى الرئيس الآن ببعض الوقت أو ما يسميه الأميركيون فترة شهر العسل، فإن السؤال الأهم الآن كم من الوقت سوف سيسمح به الشعب الأميركي للرئيس الجديد، ليتمكن من تحويل دفة الأمور ويعيد الولايات المتحدة إلى المسار الصحيح؟

وساق ناغورنى في مقالته نتائج استطلاع للرأي قامت به شبكة «سي.بي.سي» الإخبارية مؤخرًا، أكد غالبية المستطلعين أن أوباما سوف يحتاج إلى مهلة لن تقل عن العامين من أجل تصحيح الأوضاع وتنفيذ الوعود التي قطعها على نفسه في أثناء حملته الانتخابية، ومن أهمها تحسين الأوضاع الاقتصادية، وتوسيع مظلة الرعاية الصحية، وإنهاء الحرب في العراق، وعندما سئل هؤلاء عن الفترة التي بعدها يمكن اعتبار أوباما هو المسؤول عن الركود وليس بوش، أكدوا أن هذا الركود سوف يستمر إلى مدة عامين أو أكثر.
طباعة