أميـرة.. شـــاهـدت قتــل إسرائيل عائلتها

أميرة تستذكر لحظات الرعب التي مرت بها. الإمارات اليوم

بقيت الطفلة الفلسطينية أميرة والبالغة 15 عاما على قيد الحياة بوصفها الناجية الوحيدة من عائلتها التي قتلتها القوات الإسرائيلية التي توغلت في حي تل الهوى في الجنوب الغربي لمدينة غزة أمام عينها ولتكون الشاهدة على العدوان.

ظلت أميرة وحيدة في الحي تصارع الجرح الذي أصاب قدمها من القصف الجوي، خائفة من القوات الإسرائيلية المتوغلة، لتحتمي في منزل خالٍ من السكان، بعدما زحفت على قدميها مسافة أكثر من 500 متر، حيث بقيت داخله لمدة أربعة أيام ما بين الحياة والموت، بينما تسمع أصوات الآليات وهي تتوغل وتطلق نيرانها وقذائفها، والطائرات التي تقصف كل جسم يتحرك.

«الإمارات اليوم» زارت الطفلة أميرة داخل مستشفى الشفاء في مدينة غزة، حيث ترقد على سرير المرض غير قادرة على الحركة بسبب الإصابة في قدمها، والصدمة التي تعرضت لها، وكانت بجانبها والدتها التي انفصلت عن والدها الشهيد قبل سنوات، تحاول التخفيف من ألم طفلتها غير مصدقة أنها مازالت على قيد الحياة، حيث استشهد أبناؤها ولم يبقَ لها إلا أميرة الجريحة.

وقالت أميرة بصوت طفولي قهره العدوان الإسرائيلي، مسـتذكرة مـا ألم بها هي وعائلتها «في مساء يوم الثلاثاء في الأسبوع الثالث للحرب بدأت الآليات تتوغل في تل الهوى، وكانت طائرات تحلق في السماء، حاول أبي أن يخرجنا من المنزل لكن لم نستطع خشية تعرضنا للقصف، وقد جاء جار لنا لم يتمكن هو الآخر من مغادرة المنطقة، وشعرت بالخوف فلجأت إلى سريري وحاولت أن أنام، وفجأة سمعت صوت انفجار قوي، وصراخ شقيقتي عصمت وهي تيقظني من النوم قائلة «بابا قصفته الطائرة يا أميرة».

وتابعت «خرجت أنا وشقيقتي عصمت 16 عاما، وشقيقي علاء 13 عاما، إلى باب المنزل، لنجد أبي غارقاً في الدماء هو وجارنا، وقد سقط باب المنزل على جسده إثر القصف الجوي، فصرخنا بصوت عالٍ «بابا»، وبعد ذلك ذهب أشقائي ليبحثوا عن سيارة إسعاف، وأنا بقيت بجوار منزلنا، ولكن سقط صاروخ من طائرة أصاب أشقائي وقطع أجسادهم، وأصبت أنا في قدمي سقطت فورا على الأرض».

وأضافت «الجميع من حولي فارق الحياة، ولم يبقَ غيري في ليل موحش ومكان لا يوجد فيه أحد من السكان، ولا أسمع إلا صوت تحرك الآليات وتحليق الطائرات، فزحفت على قدمي حتى وصلت إلى منزلنا، فوجدت والدي قد فارق الحياة، وصرخت بصوت عالٍ «بابا لا تموت وتتركني وحيدة».

ودخلت أميرة إلى منزلها وهي في حالة حرجة إثر إصابتها الخطرة في قدمها، بحثت عن ماء لتشربه، لكنها لم تتمكن حيث دخلت في حالة إغماء، ولم تفق منه إلا في صباح يوم الأربعاء، حيث زحفت إلى باب المنزل ووجدت والدها قد فارق الحياة هو وجارهم، أما أشقاؤها فلم تتمكن من الوصول إليهم كونهم استشهدوا في مكان بعيد عن منزلهم، ولوجود القوات المتوغلة.

وذكرت أميرة أنها توجهت إلى منزل مجاور يعود لعائلة الوادية وهم أقارب والدها، ولكنها لم تجد أحدا في المنزل الذي هجره سكانه، وقد أغلقوا أبوابه، وواصلت بحثها عن مكان تحتمي به من وقع العدوان، لتجد منزلا بعد أن زحفت مسافة أكثر من 500 متر، وقد أصابته أضرار من شدة القصف، وسقط بابه ما ساعدها على دخوله، وهو يعود لمدير مكتب وكالة «معا» للأنباء في غزة، ومراسل فضائية المنار عماد عيد.

وقالت أميرة باكية «دخلت المنزل المدمر والمهجور، وبحثت عن ماء لأني كنت عطشانة ومرهقة بصورة كبيرة من إصابتي، فوجدت زجاجة ماء وشربت أطيب ماء أتذوقه في حياتي، وبعد فترة دخلت في حالة غيبوبة، وكنت أفيق منها وأدخل فيها طول النهار، وعندما دخل الليل خصوصاً مع تقدم الآليات إلى ما بعد محيط منزلنا، بحثت عن مكان أنام به، فزحفت على قدمي ووجدت سريراً استلقيت عليه واستلحفت بالغطاء».

وواصلت حديثها «لكني لم أتمكن من النوم، فكنت خائفة من دخول الجنود إلى المنزل وأن يقتلوني، كما أن الآلام التي كنت أعاني منها إثر إصابتي بقدمي، التي كانت شديدة جدا، وكنت أسمع صوت تحرك الآليات وإطلاقها القذائف، وتحليق الطائرات وقصفها الأماكن، كما كنت أسمع صوت الجنود وهم يتحدثون بعض عبر أجهزة الاتصال الخاصة بهم، وكنت أبكي بصوت خافت حتى لا يسمعوني ويقتلوني».

وبقيت أميرة داخل المنزل حتى بعد أن تراجعت القوات الإسرائيلية من حي تل الهوى، حيث إنها دخلت في مرحلة الغثيان بسبب جرحها الذي لم يتم إسعافه أكثر من أربعة أيام، ولم تدرِ أن القوات تراجعت، وكانت ما بين الحياة والموت تنتظر من يأتي لينقذها.

وفي صباح يوم السبت الماضي، توجه الصحافي عماد عيد إلى منزله ليتفقده بعد تراجع الآليات، وكان برفقته زميله الصحافي سامي زيارة، مراسل التلفزيون الأميركي «يه بي سي نيوز» في غزة، وكانت مفاجأة حيث وجدا أميرة نائمة داخل غرفة في المنزل، وبعد أن اقتربا منها تعرفا إلى حقيقة ما ألم بها، فقاما بإسعافها على الفور.

وقالت أميرة وهي تتألم من الجراح التي أصابت قدمها «عندما حاول الصحافي عماد عيد إيقاظي من النوم، شعرت بالسعادة لأني وجدت أحدا ينقذني، وقلت له على الفور «سامحني يا عمو لأني دخلت بيتك من دون إذنك»، وقد تفاجأ لذلك، وأخبرني أن ما يعنيه هو أن ينقذني قبل أن تصيبني أية مضاعفات، وقد نقلني إلى مستشفى الشفاء».

إلى جانب أميرة كانت تجلس والدتها أم علاء التي انفصلت عن زوجها قبل سنوات عدة، وقد امتزجت دموعها لفراق أبنائها، بفرحتها على بقاء أميرة على قيد الحياة، حيث قالت «علمت باستشهاد زوجي السابق وابني عصمت وعلاء صباح يوم الجمعة بعد أن تم انتشالهم مع الشهداء عقب تراجع قوات الاحتلال من حي تل الهوى، لكن أميرة كان مصيرها مجهولا، حيث لم يتم العثور عليها لا بين الشهداء ولا الجرحى». وتابعت «وقد توجه أشقائي إلى حي تل الهوى ولم يعثروا عليها، وتوجهت إلى جميع المستشفيات في مدينة غزة دون أن نجدها، ولم نعلم إن كانت على قيد الحياة أو فارقتها، ولكن من داخلي كان يراودني إحساس بأن أميرة على قيد الحياة، وفي يوم السبت جاءني اتصال من أحد أقاربي بأن أميرة تم العثور عليها في منزل عماد عيد، حيث تناقلت الإذاعات المحلية هذا النبأ».

وأضافت «هرعت إلى مستشفى الشفاء، وعندما رأيت أميرة فرحت كثيرا، وقد انتشلتني من النار التي كوت قلبي على فراق ابني، ونقلتني من الموت إلى الحياة».

طباعة