الحكومة تواجه «الجائحة» ومعضلة التشدد

الهجوم الإرهابي الأخير في فرنســـــا يثير الغضب والخوف

صورة

شهدت فرنسا مسيرات في جميع أنحاء البلاد، للدفاع عن حرية التعبير والعلمانية، يوم الأحد الماضي، في حين ناقشت الحكومة إظهار رد فعل أقوى على التطرف، بعد القتل الوحشي لمعلم مدرسة فرنسي، الأسبوع الماضي. وخرج عشرات الآلاف من المتظاهرين، مرتدين أقنعة الوجه، وفقاً لتدابير فيروس «كورونا»، في ساحة الجمهورية بالعاصمة باريس، والعديد من المدن الكبرى الأخرى، بعد قطع رأس مدرس التاريخ في المدرسة الإعدادية، صموئيل باتي، يوم الجمعة. ولوح البعض بالأعلام الفرنسية، وباللافتات التي تحتفي بحرية التعبير، بينما أشاد المتحدثون بشكل حزين بآخر ضحية للإرهاب في البلاد.

حالة الصدمة والحزن، هذه الأيام، هي تكرار لما حدث قبل نحو ست سنوات، عندما دافع الملايين من المتظاهرين، الملوحون بقلم رصاص، عن حرية التعبير، في أعقاب الهجمات الإرهابية، التي استهدفت مكاتب مجلة «شارلي إيبدو» الساخرة.

وقال رئيس الوزراء، جان كاستكس، لصحيفة «لو جورنال دو ديمانش» الأسبوعية: «حرية التعبير قيمة أساسية لهويتنا»، بينما حذر المتحدثون في التجمعات، يوم الأحد، من الرد على الكراهية بالكراهية. وكرر كاستكس شعار: «أنا شارلي»، في أعقاب هجمات يناير 2015، وأضاف: «أنا شارلي أكثر من أي وقت مضى».

لكن على الرغم من الدعوات للوحدة الوطنية، بعد هذا الهجوم الإرهابي الثاني في أقل من شهر، فإن هذه اللحظة تتميز، أيضاً، بالانقسام والانتقاد، بشأن استجابة الحكومة للراديكالية. كما تأتي وسط معركة مختلفة تماماً تخوضها البلاد ضد أزمة أخرى، هي جائحة فيروس «كورونا»، وتشكلها جزئياً.

هم أو نحن

«هم أو نحن»، تقول مجلة «لوبوان»، في افتتاحية تناولت فيها جريمة القتل، بينما كتبت «لوتلغرام» الإقليمية، أن هجوم يوم الجمعة «يذكرنا بمدى التهديد الذي يواجه نموذجنا الفرنسي للتعليم، والفصل بين الكنيسة والدولة».

وتم احتجاز ما يقرب من 12 شخصاً للاستجواب في حادثة مقتل باتي، الذي وقع أثناء توجهه إلى منزله من المدرسة. ومن بين هؤلاء عائلة المشتبه فيه، وهو لاجئ شيشاني يبلغ من العمر 18 عاماً، حدده المسؤولون باسم عبدالله.أ، والذي قتلته الشرطة بالرصاص بعد وقت قصير من قيامه بطعن وقطع رأس ضحيته.

ونشر المهاجم المزعوم صورة لباتي على «تويتر»، بعد قتله، كما ترك رسالة تهديد إلى الرئيس إيمانويل ماكرون. وذكرت وكالة «رويترز» أن منصة «تويتر» أزالت المنشور بسرعة، قائلة إن الحساب تم تعليقه، لأنه ينتهك سياسة الشركة. يأتي الحادث بعد أقل من شهر من قيام مهاجر باكستاني بطعن شخصين خارج مقر «شارلي إيبدو»، القديم في باريس. وفي كلتا الحالتين، بدا أن المشتبه فيهم ينتقمون من الرسوم الكاريكاتورية المسيئة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والتي أدت في الأصل إلى وقوع هجوم يناير 2015 الإرهابي.

حالة صدمة

وفي كونفلانس سانت أونورين، على بعد نحو 30 كيلومتراً من باريس، تم وضع عدد كبير من باقات الزهور أمام المدرسة التي عمل فيها الضحية، وهي مغلقة الآن. وأشاد السكان بمعلم، وصفه كثيرون بأنه لطيف ولكنه صارم. والبعض يصف باتي بـ«الشهيد». وقالت ممثلة نقابة المعلمين لإذاعة «فرانس إنفو»، صوفي فينيتيتاي: «نحن في حالة صدمة». متابعة: «إنها المدرسة ككل التي تتعرض للهجوم، لرغبتها في فتح العقول».

وجاء مقتل المعلم، بعد أن أظهر للطلاب رسوماً كاريكاتورية للنبي صلى الله عليه وسلم، كجزء من درس في حرية التعبير. ويقول الطلاب إنها ليست المرة الأولى، ويقولون إن المعلم أخطر المسلمين في الفصل بأنهم أحرار في المغادرة، محذراً أنهم قد يجدون الصور مروعة. لكن بعض الآباء لم يكونوا سعداء. وبحسب التقارير، فإن أحد الآباء، على وجه الخصوص، نشر شكاواه على وسائل التواصل الاجتماعي، وحصل على دعم من المتشدد المعروف، عبدالحكيم الصفريوي.

وبحسب صحيفة «لوجورنال دوديمانش»، اعتبرت السلطات الصفريوي محرضاً، لكنه ليس خطيراً. وبحسب ما ورد توقع المسؤولون احتجاجات محتملة ضد المعلم، لكنهم لم يتوقعوا أي انتقام عنيف. ويبقى العديد من الأسئلة مطروحاً، لكن المحققين لم يجدوا بعد روابط مباشرة بين المشتبه فيه الشيشاني، الذي عاش في نورماندي - غرب العاصمة، والمدرسة الباريسية.

وبينما ترأس ماكرون اجتماعاً لبحث إجراءات أكثر صرامة ضد التطرف، يعد الحزب الحاكم تشريعاً جديداً ضد «الانفصالية»، التي تستهدف التشدد الراديكالي إلى حد كبير.

ويكافح الرئيس بسبب ردود الفعل السلبية، بشأن استجابته لفيروس «كورونا». ويصف النقاد تحركات الحكومة الأخيرة ضد التطرف بأنها مخيبة للآمال، بالمثل. ورداً على تصريحات الرئيس الفرنسي الأخيرة، بأن «المتطرفين لن يفوزوا أبداً»، ردت زعيمة اليمين المتطرف، مارين لوبان، على «تويتر»: «إنهم موجودون هنا بالفعل؛ بما في ذلك مدارسنا!». وقال زعيم الحزب الجمهوري، من يمين الوسط، كريستيان جاكوب: «الخطب الكبيرة تحتاج إلى إفساح المجال لاتخاذ قرارات كبيرة»، في إشارة إلى ميل ماكرون إلى الخطاب المتصاعد.

من جانبهم، يخشى قادة الجالية المسلمة في فرنسا، وهي الأكبر في أوروبا الغربية، أن يؤدي الهجوم الأخير إلى تكثيف المشاعر المعادية للمسلمين، التي يقولون إنها كانت تتصاعد في السنوات الأخيرة. وقال إمام مسجد بوردو، طارق أوبرو، لإذاعة فرنسا: «أشعر بالذهول من هذا العمل المُرعب، الذي لا علاقة له بالدين»، مضيفاً أن الجالية المسلمة في البلاد «تأثرت بشكل مضاعف، كمواطنين ومسلمين».

• يكافح الرئيس ماكرون بسبب ردود الفعل السلبية، بشأن استجابته لفيروس «كورونا». ويصف النقاد تحركات الحكومة الأخيرة ضد التطرف بأنها مخيبة للآمال، بالمثل.

• يخشى قادة الجالية المسلمة في فرنسا، وهي الأكبر في أوروبا الغربية، أن يؤدي الهجوم الأخير إلى تكثيف المشاعر المعادية للمسلمين، التي يقولون إنها كانت تتصاعد في السنوات الأخيرة.

طباعة