حالة تأهب عام في برشلونة

    إسبانيا تواجه مشكلات حياتية واقتصادية جسيمة نتيجة الاستخفاف بـ «كورونا»

    صورة

    منذ أيام طلبت مني محطة تلفزيونية أن أجري لقاءً من أحد شوارع برشلونة. أرادت المحطة أن تنقل واقع الحياة اليومية، في ظل بدء تطبيق «حالة التأهب العام» التي فرضتها الحكومة الإسبانية ابتداء من الـ16 من الشهر الجاري.

    استعددت بهاتف محمول مزود بعصا سيلفي، ومظلة تقيني من الأمطار الربيعية المتساقطة في تلك الساعة، وانتظرت الاتصال التلفزيوني.

    لحظات فقط، تمهلت بعدها سيارة شرطة عابرة، ثم توقفت، ونادى عليّ الشرطي المرافق. سألني بهدوء عما أفعله، متوقفاً هناك، وذكرني بحالة الحظر المطبقة، ومن ثم طالبني بالتوجه إلى بيتي فوراً مردداً مرتين أن «ما يجري ليس بمزحة».

    العبارة هي الأكثر تردداً في وسائل التواصل الاجتماعي، سواء كنا نتحدث عن إسبانيا أو غيرها.

    وفي إسبانيا كما إيطاليا قبلها، تفرض الشرطة غرامات تصل لحدود 2000 يورو في حالة مخالفة الأسباب المسموحة للخروج، وهي العمل، أو شراء الطعام والدواء أو مساعدة أصحاب الحاجات الخاصة. رغم ذلك فـإن الشوارع ليست خالية تماماً.

    أعذار

    البعض، خوفاً من الغرامة، يتمشى جاراً حقيبة شراء الحاجات الفارغة، أو يتحرك متنفساً هواء المدينة الهادئة في الحارات الضيقة التي يتضاءل فيها وجود دوريات الشرطة.

    البعض الآخر، يقلل من أهمية الأمر، متعذراً بوجود حيوانات في البيت تحتاج للخروج إلى الهواء الطلق، علماً أن خروج الأطفال محظور، أو هكذا يبدو من المراقبة اليومية.

    إذ إن هنالك ما يزيد على ثمانية ملايين تلميذ حبيس في بيته في إسبانيا حالياً. وأمس تغيرت ملامح أولادي المسترخية حين أرسلت لنا مدارسهم برنامج دوام يومي افتراضياً من المنزل، مختصراً ساعات اللهو والاسترخاء للحد الأدنى.

    البرنامج يوحي كما بتنا نعلم أن فترة الحظر المقررة لأسبوعين ستمتد، وقد تتجاوز منتصف الشهر المقبل، الأمر الذي يحتم إيجاد طرق استمرار، سواء كنا نتحدث عن التعليم أو العمل مروراً بالعلاقات الاجتماعية.

    ولأول مرة تحادثنا أمس، مع جيراننا في المبنى المقابل. صاحوا لنا حين كنا نؤدي التحية اليومية لعمال القطاع الصحي بالتصفيق المتزامن، وسألونا كيف نحن؟ وتبادلنا مع غيرنا أحاديث الشرفات.

    يبدو كل هذا مستجداً علينا لأسباب مفهومة، ولكن يزيد عليها أن إسبانيا كما إيطاليا بلد يقدر عالياً الأجواء المفتوحة، والعلاقات الاجتماعية الغنية، ولا سيما أنه بلد يتمتع بشمس مشرقة لنحو 70% من أيام العام.

    فهم أسباب التأخر

    لذا يمكن فهم بعض أسباب التأخر في إجراءات محاولة الحد من انتشار فيروس كورونا. فقبل إعلان حالة التأهب بأيام، وفي زيارة لطبيبتي في المستوصف العام، مدت الطبيبة يدها لي مصرة على مصافحتها، وذلك رغم إشارتي إلى أنني أطبق التعليمات بعدم مد يدي.

    النظرة للفيروس المستجد، ظلت حتى أيام متأخرة، هي نظرة عامة تجاه فيروس إنفلونزا أقوى من سابقيه.

    أمر تجده مدهشاً في بلد اشتهر أحد أخطر الأوبئة في التاريخ باسمها، وهو «الإنفلونزا الإسبانية» التي قتلت ما يقرب من 50 مليون شخص منذ 100 عام فقط.

    لكن المفارقة الحاضرة هنا أيضاً، أنها لقبت بالإسبانية لكثرة حديث الصحافة الإسبانية عنها، علماً أن الإسبان نفسهم كانوا يسمونها «الإنفلونزا الفرنسية» نسبة لمناطق انتشارها الأولى، وفق اعتقادات تلك الأيام.

    لكن بالعودة للحاضر، كثر يعتقدون أن هناك عاملاً إضافياً للتكاسل في مواجهة شبح كورونا، تمثل في أسباب سياسية واقتصادية.

    السياسية منها تمثلت في وجود حكومة حديثة العهد، موجودة نتيجة تحالفات هشة بين اليسار متمثلة بالحزب الاشتراكي الإسباني، واليسار المتطرف ممثلاً بحزب بوديموس والأحزاب الاستقلالية المحلية ومنها الحزب الكتالاني الجمهوري، بعد أشهر طويلة من الاضطراب السياسي وفراغ السلطة الفعلي.

    وثانياً في بلد يكافح لتسديد الديون المترتبة على خطة الإصلاح الاقتصادي التي اعتمدتها البلاد منذ مطلع عام 2010.

    لكن الإهمال السابق، وسياسة تأجيل المواجهة مع الوباء المستشري، قادا إلى نتائج يمكن أن تكون شديدة الإيلام على البلاد.

    الخطأ الأساسي باعتراف حلفاء الزعيم الاشتراكي بيدرو سانشيز، ولا سيما زعيم حزب بوديموس بابلو إيغلاسياس كان في السماح بتنظيم مسيرة اليوم العالمي للنساء في الثامن من مارس، والتي شارك فيها نحو 120 ألفاً في العاصمة الإسبانية مدريد.

    هذه المسيرة وحدها، سمحت للوباء بمضاعفة أرقامه مرات عدة خلال أيام، وذلك بدليل إصابة معظم السياسيين الذين شاركوا فيها، ومن بينهم بيغونيا غوميز، زوجة رئيس الحكومة بيدرو سانشيز، وصديقة مساعده بابلو، وزيرة المساواة في الحكومة الإسبانية إيرينا مونتيرو.

    سياسيون آخرون أصيبوا بالوباء، بينهم زعيم حزب فوكس اليميني المتطرف سانتياغو أباسغال إضافة لفئة من مساعديه، بعد حضوره تجمعاً جماهيرياً لـ9000 شخص في الثامن من مارس.

    بعدها بأيام صرح سانشيز بأنه لا يستغرب وصول عدد الإصابات لـ10 آلاف إصابة نهاية الأسبوع، بعد أن كانت بالمئات، لكن نظرة رئيس الحكومة التي بدت سوداوية، تجاوزها واقع أكثر شؤماً بتزايد يومي يتوسط بين 1400 و2000 حالة إصابة، مع وفيات تتجاوز الـ100 يومياً بشكل وسطي.

    أمة تحاول التوحد

    ومع إعلان حالة التأهب بدأت الأمة المنقسمة حول مسائل عديدة في محاولة التوحد حول الحكومة، إذ لاحت ظلال الكابوس السابق منذ 100 عام، وذكريات الحرب الأهلية بين عامي 1935 و1939 والحرب العالمية الثانية، وغيرها من الأهوال التي تطلبت من الناس أن تفكر وتعمل كجسد واحد.

    لكن وباء كورونا ربما يكون نقطة انعطاف جديدة في حياة الأمة الإسبانية.

    فعلى الرغم من أن كامل أحزاب المعارضة بما فيها الكتالانية المعارضة بشدة لمدريد، أعلنت وقوفها خلف الحكومة الاشتراكية في هذه الظروف، إلا أن الاستحقاقات المقبلة لما بعد «كورونا» قد تكون بشدة القسوة التي تمر بها البلاد حالياً.

    فباختصار ستكلف صدمة «كورونا» الحكومة بشكل سريع نحو 200 مليار يورو، في محاولة لتعويض الخسائر السريعة والحفاظ على مستوى البطالة بحدود 15% ومساعدة الفئات الأكثر تضرراً، ناهيك عن دعم القطاع الصحي المرهق.

    وبالطبع ليس ممكناً الآن تقدير خسارات القطاعات المختلفة، إلا بشكل تقديري سريع، يمكن لقطاع السياحة أن يعطي صورة عن هذه الخسائر، وهو القطاع المشلول تماماً حالياً، والمعيل لما يزيد على مليوني شخص، مشكلاً ما يقارب 15% من الإسهام المالي في الناتج المحلي.

    ضغط إضافي

    وستتطلب استعادة نشاط الدورة الاقتصادية، وتعويض الخسائر، ضغطاً إضافياً على الأقاليم الأكثر إنتاجاً وبينها الإقليم الكتالاني، ما سيعيد كرة النار للتوهج بين مدريد وبرشلونة حول نسبة المساهمة المالية للقطاع الغني في الدولة الفيدرالية، ناهيك عن تأجيج النزعة الاستقلالية مجدداً.

    كما سيؤثر ميل التحالف الحالي اليساري لدعم الطبقات الوسطى والفقيرة، على شهية اليمين لاستعادة زمام السلطة لمصلحة الطبقات البرجوازية وكبار التجار، وذلك كله تحت هيمنة ركود اقتصادي عالمي شبه مؤكد.

    ولا شك سيتغذى اليمين الموحد على كل الأفكار الانعزالية الممكنة، في مواجهة اليسار المنفتح، ولكن المنقسم على مستوى البلاد.

    كل هذا يضاف إليه، الاضطراب المحتمل على الصعد الاجتماعية، والتي تأتي متقاطعة مع هذا النوع من الصدمات، الأمر الذي يضع إسبانيا في مواجهة أشباح كثيرة، بعضها كما ذكرنا من عمق الماضي البعيد، وبعضها مؤجل، وبعضها الآخر ما زلنا في جهل عنه. ولا ندري ربما الحال هذه، ستكون حال معظم أوربا أيضاً.

    وهنا على الأرجح سيأتي دور الدول التي تمكنت حتى الآن من احتواء الفيروس، ومحاصرة العدوى، بإجراءات صارمة، وصولاً لوقف تقدمه، وعلاج الحالات القائمة الموجودة. وهي دول بمعظمها خارج الاتحاد الأوروبي يمكن ذكر بعض الدول العربية من بينها، وفي مقدمتها الإمارات، مع الإشارة أيضاً إلى الصين والدور الذي يمكن أن تلعبه بإعادة عجلة الاقتصاد العالمي للدوران بعد احتوائها المرض. تحديات كبيرة تنتظر العالم. وأدوار كثيرة على الدول أن تلعبها، صغر حجمها أم كبر، حتى يستعيد العالم عافيته بعد نقاهة المرض.


    للمرة الأولى تحادثنا مع جيراننا في المبنى المقابل، صاحوا لنا حين كنا نؤدي التحية اليومية لعمال القطاع الصحي بالتصفيق المتزامن، وسألونا كيف نحن، وتبادلنا مع غيرنا أحاديث الشرفات.

    ستكلف صدمة «كورونا» الحكومة بشكل سريع نحو 200 مليار يورو، في محاولة لتعويض الخسائر السريعة والحفاظ على مستوى البطالة بحدود 15% ومساعدة الفئات الأكثر تضرراً، ناهيك عن دعم القطاع الصحي المرهق.

    في إسبانيا، كما إيطاليا قبلها، تفرض الشرطة غرامات تصل لحدود 2000 يورو في حالة مخالفة الأسباب المسموح بها للخروج، وهي: العمل، أو شراء الطعام والدواء، أو مساعدة أصحاب الحاجات الخاصة، ورغم ذلك فـإن الشوارع ليست خالية تماماً.

    طباعة