الحوار التلفزيوني.. من الجمود إلى التفلُّت

د. بروين حبيب

حسناً فعل المشرفون على «الملتقى الإعلامي العربي» في دورته الـ19 الذي انعقد في الكويت الأسبوع الماضي حين اختاروا «ذكاء المستقبل» عنواناً لملتقاهم، الذي وصل هذه السنة إلى مستوى راقٍ من التنظيم وتنوع الضيوف وحيوية المواضيع المطروحة. وقد واكبتُ هذا الملتقى منذ دورته الأولى، إذ شاركت في جلسة «نساء في واجهة الإعلام» التي أصبحت تقليداً متواصلاً يفسح له حيّز في كل دورة. والذكاء الذي كان بشرياً فنازعته التكنولوجيا حصريته، فأصبح صناعياً ظهرت بوادر تدل على أنه سيقودنا إلى آفاق مجهولة لا يَعلم حتى من يطورونه مداها. وفي الإعلام - الذي هو مجال عملنا - لا يُستبعد أن يحل الذكاء الاصطناعي محل الإعلاميين لا في تحرير الأخبار وصياغة التقارير وقد حلّ فعلاً بشكل ما، بل حتى في وجودهم، وما تجربة «فضة» أوّل مذيعة في الكويت تعمل بالذكاء الاصطناعي إلا إرهاصٌ ببنات وحفيدات لها قادمات يُحِلن المذيعات ومقدمات البرامج إلى التقاعد المبكر.

كانت مشاركتي في الملتقى في ندوة بعنوان «البرامج الحوارية بين شاشة التلفزيون ووسائل التواصل الاجتماعي» ناقشنا فيها رفقة زملاء لي ما أصبح يشاع عن تهديد مؤثري «السوشيال ميديا» للإعلاميين التقليديين، مع أني على قناعة أن كل واحد منهما يملك ما لا يملكه الآخر، فعلى محاوري التلفزيون أن يتعلموا من محاوري «السوشيال ميديا» حيويتهم، وعلى محاوري «السوشيال ميديا» أن يتعلموا من محاوري التلفزيون مهنيتهم. وإذا كان من المبتذل أن يبقى المحاور في القنوات التلفزيونية ذلك الوجه الجاد الذي يطرح أسئلة نخبوية تقيّدها سياسة القناة، فمن المعيب أن يتطاول على مهنة الإعلام أشخاص لا بضاعة فكرية لهم سوى احتمائهم بعدد كبير من المتابعين، فيهرفون بما لا يعرفون حين يحاورون ضيوفهم بدون أدنى خلفية معرفية، سلاحهم المقاطعة والتّذاكي وأحياناً التحرش اللفظي بالضيف، ولا أعمّم فهناك بينهم من يتقن اللعبة الإعلامية على أصولها، وكان المفروض بمحاور «السوشيال ميديا» أن يلمّ بمبادئ الإعلام ليقدم مادة نافعة إضافة إلى إمتاعها. ولكن الذي حدث أن المحاور التلفزيوني وقد رأى سحب البساط من تحته آثر أن يقلد مؤثري وسائل التواصل. وقد كتبت مرة: في كلّ حوار تلفزيوني يستفز المشاهد فتّشْ عن «الرايتنغ»، وفي كل حوار بـ«السوشيال ميديا» يستفزّ الضيف فتش عن «الإيغو». وما بين هوس «الترند» وتضخم الذات يبقى المتابعُ الخاسر الأكبر، إذ تحوّل إلى رقم في نسبة المشاهدة بدل أن يكون المستهدف بالخبر الموثوق والمعلومة المفيدة الصحيحة. لذلك نحن بحاجة إلى جهود كثيفة تتكاتف مع ما يبذله أمثال الصّديق ماضي الخميس الأمين العام للملتقى الإعلامي العربي ليكون لدينا إعلام جاد، ولا مشكلة بعد ذلك في تسميته قديماً أو جديداً.

DrParweenHabib1@

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه. 

تويتر