في تدريس الأدب وثقافة السلام

د. كمال عبدالملك

في واحدة من محاضراتي، عرضت على طلابي في الجامعة فيلماً روائياً عن التفجيرات الانتحارية بعنوان «الجنة الآن»، دراما سياسية ونفسية من إخراج هاني أبوأسعد.

خلال المناقشة الصفيّة التي تلت ذلك، سألت الطلاب عما إذا كانوا يعتقدون أن هناك طرقاً أخرى للحصول على التحرر الوطني، ونظراً لعدم وجود إجابة، ذكرت كيف نجحت الهند باتباع تعاليم غاندي اللاعنفية والعصيان المدني في الحصول على استقلالها عن بريطانيا عام 1947.

هذا لن ينجح، يا دكتور، كما قال أحد طلابي، ربما في الماضي، كان اللاعنف لغاندي لايزال ممكناً، ولكن ليس الآن، وليس مع إسرائيل. وأضاف قائلاً: ليس لدينا خيار، إذا هاجمونا فعلينا أن نرد عليهم بكل ما نملك، العين بالعين. حسناً، قلت، يقول غاندي إننا إذا اتبعنا طريقة الانتقام بالعين بالعين، فسننتهي بعالم مليء بالرجال المكفوفين. رد عليّ: وماذا في ذلك يا أستاذ؟ دع العالم يمتلئ بالعميان.

في محاضرة أخرى، قمت بتعريف الطلاب على ما سميته «قصائد حوارية»، قصيدتان حول الموضوع نفسه، واحدة بالعربية للفلسطينية فدوى طوقان، والأخرى بالعبرية للإسرائيلي يهودا عميحاي. كانت هذه هي المرة الأولى التي يتعرف فيها الطلاب إلى عينات من الأدب الإسرائيلي، وبالنسبة لهم، كان الأمر غريباً تماماً، رؤية وقراءة وسماع مختارات من الشعر الإسرائيلي.

أخبرتهم بأن إلقاء نظرة على أنواع الأدب الفلسطيني والإسرائيلي الحديث يظهر بعض أوجه التشابه الملحوظة في الموضوعات، فكلا النوعين من الأدب لديه ما يقوله عن المنفى، والوطن، والعودة، والهوية الجماعية، والتضامن الوطني، والحرب، والاستشهاد، والتضحية، والظلم، والسلام، والأمن.. ثم شرعت في قراءة قصيدتي «إيتان في المصيدة الفولاذية» للفلسطينية فدوى طوقان، و«القدس 1967» للإسرائيلي يهودا عميحاي.

تقدم قصيدتا فدوى طوقان ويهودا عميحاي حواراً بين الذات والآخر- العدو. إنه حوار متخيل. تُظهر فدوى طوقان اهتمامها الأمومي بالصبي اليهودي الذي ينمو في جو من الحرب والصراع، ويفقد براءته في عملية تلقين أيديولوجي. الصراع بالنسبة لها هو صراع بشري، من صنع الإنسان - الاقتراح هنا هو أن نزاعاً من صنع الإنسان يمكن أن يكون له حل من صنع الإنسان. بالنسبة إلى طوقان، ليس من المقدّر أن يستمر العرب واليهود في صراع دموي دائم.

أمّا بالنسبة لعميحاي، فالعربي هو محاور متخيل، وإن كان صامتاً. تنتمي شخصية الشاعر إلى الذين احتلوا للتو الأرض، ولكن يبدو أنهم يشعرون بالقلق من انتصارهم، لذا فإن الشخصية الإسرائيلية في القصيدة حريصة على تقديم بعض التفسيرات للعربي الصامت في القصيدة. يحاول أن يتواصل مع العربي بإخباره أن والده كان لديه أيضا متجر - في ألمانيا على ما يبدو - أحرقه الأعداء، ولهذا السبب اضطر، الأب، إلى الهجرة إلى إسرائيل. ترتبط الصور في الغالب بالخياطة، ويتم الاستشهاد بقائمة مفصلة بالعناصر التي ترتبط جميعها بربط الأشياء: الأزرار والسحابات ومكبّات الخيط والأبازيم. إنها رغبة الإسرائيلي هنا في إيجاد طريقة للتواصل مع العربي، لكن القصيدة تنتهي بعودة الإسرائيلي إلى شعبه لينضم إليهم في الصلاة.

تنتهي القصيدة بلم شمل الإسرائيلي مع قبيلته، ويغلق العربي محله. يبدو أن فرصة إجراء حوار حقيقي مع العدو ضاعت، لكن حواراً سلمياً كان قد تخيّله كل من العرب واليهود في أشعارهم من سنوات يبدو توطئة لمآلات نشهدها اليوم.

باحث زائر في جامعة هارفارد

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه. 

تويتر