آفة التكلف

الدكتور علاء جراد

التكلف أو التصنّع هو التصرف أو التعبير عن الذات بطريقة غير حقيقية تفتقد للصدق والبساطة. ويحمل التكلف في طياته العديد من الجوانب السلبية التي يمكن أن تكون لها آثار ضارة على الأفراد والمجتمع، وهو آفة اجتماعية يجب الانتباه إليها وعدم الوقوع فيها. وعندما يتبنى شخص ما سلوكاً متكلفاً، فإنه غالباً ما يخلق حاجزاً بينه وبين الآخرين، ويمكن أن يؤدي هذا إلى شعور بعدم الثقة والاغتراب، حيث يشعر الناس بأن الفرد ليس صادقاً، وبالتالي يبتعدون عنه، وذلك طبيعي جداً، حيث تتطلب الروابط الحقيقية والعلاقات الهادفة، الصدق وعدم التصنع.

يمكن أن يعزز التكلف ثقافة السطحية والخداع، فقد يشعر الناس بأنهم مضطرون إلى التوافق مع الشخص المتكلف أو مجاراته، ويؤدي هذا إلى خلق نوع من الرياء، وبالتالي تقل المحادثات الهادفة والتعبيرات الحقيقية عن المشاعر، ما يؤدي إلى تعاملات سطحية تفتقد إلى المحتوى الحقيقي وللعمق العاطفي والفكري في العلاقات. ويمكن أن يعيق التكلف نمو الشخص وتطوير ذاته، فعندما يعطي الأفراد الأولوية للمظاهر على الجوهر، فقد يتجاهلون اهتماماتهم وعواطفهم الحقيقية، ومن ثم يمكن أن يؤدي قمع الذات الأصيلة للفرد أو الشخصية الحقيقية إلى تبني «واجهة» مزيفة تؤدي إلى منعه من استكشاف مواهبه الحقيقية وإمكانياته، وعلى المدى الطويل يمكن أن يؤدي ذلك إلى عدم الإنجاز. أما على المستوى المجتمعي، فيمكن للتكلف أن يسهم في انتشار المعايير والقيم غير الواقعية، فغالباً ما تمجّد وسائل الإعلام والمنصات الاجتماعية مظاهر السطحية والمادية، وتشجع الأفراد على تبني التأثيرات التي تتماشى مع هذا التكلف، فتنمو ثقافة المقارنة والمنافسة القائمة على المظاهر بدلاً من الصفات والإنجازات الحقيقية.

هناك صور كثيرة من التكلف تظهر في الملبس والمأكل والمناسبات، وبخاصة الأفراح. وبصفة عامة هناك الكثيرون ممن يبالغون في ارتداء ماركات عالمية من الملابس والأحذية والعطور، وشراء السيارات الفارهة ولو بالقروض المرهقة، بل حتى أرقام لوحات السيارات التي يدفعون فيها مبالغ طائلة، وبالتالي فإن آفة التكلف قد تكلّف صاحبها الكثير حتى يوحي للناس بانتمائه إلى طبقة اجتماعية أعلى.

إن التكلف صفة كريهة تخلق حاجزاً بين الشخص المتكلف والآخرين، وتنفّرهم منه، حتى ولو كان لديه الكثير ليقدمه، فالناس لا يرغبون في التعامل مع شخص يتعالى عليهم ويتعمد إظهار أنه مختلف وأنه في مرتبة أعلى منهم. المشكلة الأساسية هي أن الشخص المتكلف لا يدرك أنه متكلف، بل دائماً ما يلقي اللوم على الآخرين.

قد يبدو التكلف غير ضار على السطح، لكن جوانبه السلبية عميقة وبعيدة المدى، حيث يعطل الروابط الحقيقية ويعزز ثقافة النفاق، ويضر بالصحة العقلية، ويعيق النمو الشخصي، ويسهم في نشر المثل العليا غير الواقعية. اللهم أبعدنا عن الرياء والتكلف.

@Alaa_Garad

Garad@alaagarad.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه.  

تويتر