رمزية غريبة للون الأبيض في الأدب والأسطورة

د. كمال عبدالملك

قبل بضع سنوات، دار حديث بيني وبين مترجم لبناني رفيع المستوى. تحدث معي حول ما سماه «الترجمة الجغرافية»، وشرع في شرح ذلك بتشبيه في نص كان يترجمه وهو «as white as snow». تساءل عما إذا كان رجل الأدغال الذي يعيش في أعماق الغابات الإفريقية سيفهم هذا التشبيه الذي يشبّه البياض ببياض الثلج، وهو شيء ربما لم يره من قبل أو لن يراه أبداً في مناخ تحت خط الاستواء. سألني: أليس من الأجدى تبني منهجي في الترجمة الجغرافية، وترجمة هذا التشبيه إلى «أبيض مثل حليب الأم»؟ وقبل أن أردّ، أضاف بثقة: بلى، (نطقها إمبلى).

على الرغم من أن الصفة الرمزية الأكثر شهرة المرتبطة باللون الأبيض في الثقافة العربية، وكذا الغربية، هي «النقاء»، إلا أن رمزية اللون الأبيض هي أكثر تعقيداً وغموضاً، ألسنا نجد في البياض لوناً يكون في الوقت نفسه كل الألوان وليس لوناً محدداً؟

فما رمزية اللون الأبيض كما وردت في الأعمال الأدبية والأساطير؟

يرتبط اللون الأبيض بأفكار النقاء والعذرية. كما يشير قاموس Penguin للرموز، كان الكهنة السلتيون يرتدون الملابس البيضاء، ونجد أنّ الإغريق القدماء شبهوا اللون الأبيض بحليب الأم.

في روايته «Tess» (صدرت عام 1891)، يربط توماس هاردي بطلته تيس دوربيفيلد باللون الأبيض، وذلك للتأكيد على نقائها وبراءتها. غالباً ما توصف تيس بأنها ترتدي الأبيض، ويوصف جسدها بأنه «فارغ من كل لون»، أي أنه أبيض كالثلج. الرمزية هنا واضحة.

وهذه الفكرة موجودة أيضاً في أدب الأطفال والحكايات الشعبية، وهي مرتبطة بشكل خاص بشخصيات أنثوية نقية وبريئة. حكاية «سنو وايت» الخيالية، خير مثال على ذلك، حتى اسم البطلة يشير إلى حقيقة أنها بيضاء رمزياً كالثلج: نقية القلب والفكر والنيّة وبريئة من أي إثم أو خطيئة أو معصية.

في روما القديمة، كان الأشخاص الذين يترشحون لشغل مناصب عامة يرتدون اللون الأبيض، والكلمة اللاتينية التي تطلق عليهم هي «كنديدوس»، التي تعني أبيض، ومازال الناس في أميركا حتى يومنا هذا يستخدمون كلمة candidate المشتقة للإشارة إلى الشخص الذي يخوض الانتخابات. ترتبط الكلمة اشتقاقياً بكلمة candid «صريح»، ما يعني أن علينا أن نكون صريحين وصادقين، مرة أخرى يلفت ذلك الانتباه إلى رمزية النقاء المرتبطة باللون الأبيض.

ومع ذلك، يمكن أن يحمل اللون الأبيض أيضاً رمزية سلبية، فهو مرتبط بالأشياء الباهتة، التي تتعلق بالموت. هناك الموت نفسه، أحد الفرسان الأربعة في «سفر الرؤيا»، الذي يظهر راكباً «حصاناً شاحباً». وكما يشير هانز بيدرمان في «قاموس ووردزورث للرمزية»، غالباً ما توصف الأشباح بأنها ترتدي ملابس بيضاء، لأن الأبيض هو غياب اللون، وهو كذلك (على المستوى العلمي) كل الألوان كما أوضحت تجربة نيوتن مع المنشور، الذي يشتمل على جميع ألوان الطيف. بهذا المعنى، يمكن أن يرمز اللون الأبيض إلى الغياب والموت ونهاية الحياة.

وعلى الرغم من أن في مجتمعنا العربي، وكذا في الغرب، يميل الناس إلى ربط اللون الأسود بالحداد، فإننا نجد أن المجتمع الصيني يعتبر اللون الأبيض، وليس الأسود، هو الذي يرمز إلى الحداد، لأن الأبيض هنا هو غياب كل الألوان، وهذا يعني غياب التنوع والجمال والفرح.

باحث زائر في جامعة هارفارد

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه. 

طباعة