«نلتقي»

قارئ «الفاست فود»

د. بروين حبيب

قال رجل لأبي تمّام مرّةً: لم لا تقول من الشّعر ما يُفهم؟ فأجابه: لم لا تفهم ما يقال؟ في العلاقة الكلاسيكية المفترضة: الكاتب مُرسِل والقارئ متلقٍّ، فهو المؤثّر عادةً وقرّاؤه المتأثّرون، فلا يكتب «ما يطلبه المستمعون»، غير أنّ اقتحام وسائل التّواصل لحميميّاتنا بقوّة، وإزالة الحواجز بين الكاتب وقرّائه فرضا قواعد اشتباك جديدة، إذ أصبح القارئ يبدي رأيه ويقترح ويعترض، فيصلُ كلّ ذلك في اللحظة نفسها إلى كاتب، فإذا توافق قرّاء كثيرون على الرّأي نفسِه يضطرّ الكاتب في أحيان كثيرة إلى تعديل مساره، فهو في النهاية يكتب للنّاس وليس لنفسه، ما يذكرنا بمقولة الرّوائي الأميركي پول أوستر: «إنّ القارئ هو الذي يخلق الكِتاب في آخر المطاف».

وقد اعترف بعض الكتّاب بتأثير القارئ على اختياراتهم الكتابيّة، مثل سعديّة مفرح في مقال لها بعنوان «ما يطلبه القرّاء»، كما اشتكى من هذا التدخّل في العملية الإبداعيّة أمير تاج السر أيضاً في إحدى مقالاته. ومن الطّريف ما حدث لآرثر كونان دويل، فبعد أن وجد أنّه استهلك قصصه التي بناها حول شخصية «شرلوك هولمز»، أماتَه في روايته «المشكلة الأخيرة» وحدث ما لم يكن في الحسبان، إذ لم يُعجب ذلك قرّاءه الأوفياء، فوصلته مئات الرسائل المستنكرة والشاتمة أحياناً، بل وألغى الآلاف اشتراكهم في مجلة «الستراند» التي كان ينشر فيها قصصه، وبقي كونان دويل معانداً ورافضاً كتابة القصص الشّرلوكية، إلى أن رضخ بعد 10 سنوات فأعاد «شرلوك هولمز» إلى الحياة في قصّته «مغامرة المنزل الفارغ».

نظريّاً؛ الكاتب له قرون استشعار يرصد بها التّحولات حوله، وحساسيّته زائدة لما يجري في النّفس وخارجها، فالمفروض أنه هو من يختار فكرته ويوصلها لقرائه بطريقة تجمع العمق في الطرح والسهولة في الأسلوب، وهذا نادراً ما تحقّق، لكن الآن دخلت عوامل كثيرة على هذا النّموذج النظري، تَراجُع المقروئيّة وتقدّم وسائل التّواصل على الكتاب جعلا الكاتب يقدّم تنازلات، ابتداء من علاقته بدور النشر التي أصبحت لا تغامر بتبنّي كِتاب نخبويّ أو كُتَّاب جدد، فهي تبحث عن الكتّاب المكرسين أولاً، والمواضيع الرائجة لرفع نسبة المبيعات التي تشهد تراجعاً كبيراً وهذا منطقي، فهي مؤسّسات ربحيّة أساساً رغم الكلام المثالي الجميل عن دورها الرّسالي، لذلك أصبح الكاتب يكتب وعينه على القارئ ونيل رضاه.

لا أنكر وجود كتّاب يرفضون أن يوجّههم القارئ أو يشاركهم، بل هم على مذهب أبي تمام على القرّاء اللحاق بهم وبذل الجهد لفهم أفكارهم، وقد كتب بورخيس مرّة: «من غير المنطقي أن نتوقّف عن الكتابة لأنّ البعض لا يجيد التأويل». وسكان «البرج العاجي» من الكتّاب موجودون أيضاً، ما دامت الكتابة بوحَ الروح. والمعادلة التي تجمع بين عمق الفكرة والرّواج الجماهيري أرّقت كثيراً من الكتّاب، وقد نشأتْ تخصصّات أكاديميّة قائمة على رصد دور «القارئ في الحكاية» ونظريّة التلقّي، عسى أن تُجسِّر الهوّة بين الكتّاب وقرّائهم، إذا بقي هناك قرّاء ولم ينقرضوا في عصر «الفاست فود».

نظريّاً؛ الكاتب له قرون استشعار يرصد بها التّحولات حوله، وحساسيّته زائدة لما يجري في النّفس وخارجها، فالمفروض أنه هو من يختار فكرته ويوصلها لقرائه بطريقة تجمع العمق في الطرح والسهولة في الأسلوب، وهذا نادراً ما تحقّق.

@DrParweenHabib1 

 

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه.  

طباعة