سياحة الماضي والمستقبل

محمد سالم آل علي

مع عودة النشاط السياحي العالمي، لاسيما بعد تجاوز جائحة «كوفيد-19» وإلغاء قيود السفر في معظم دول العالم، عادت السياحة الثقافية لتفرض نفسها من جديد في سوق السياحة الدولية، حيث استردت أماكن الجذب السياحي المرتبطة بها من مواقع أثرية وأماكن ثقافية ومهرجانات ومتاحف عافيتها إلى حد كبير، واستعادت مكانتها الرئيسة كواحدة من أسرع القطاعات نمواً في صناعة السياحة، وهي اليوم تُسهم من جديد بما يقارب 40% من جميع أنواع النشاط السياحي في مختلف أنحاء العالم.

وقد جاءت الاستراتيجية الوطنية للسياحة 2031، التي أطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، لتجسد رؤية القيادة الرشيدة الهادفة إلى رفع مكانة الدولة كأفضل هوية سياحية حول العالم، وترسيخ مكانتها وجهة سياحية رائدة ومبنية على التنوع السياحي، وذلك من خلال الاستفادة من المميزات والخصائص الفريدة لإمارات الدولة السبع. والتنوع السياحي هنا هو خلق وجهات جديدة ومتنوعة وفريدة من نوعها تدعمها بنية تحتية متطورة، وتعزز مكانتها كعنصر رافد للاقتصاد وباعث نحو المزيد من العمل والاستثمار.

وإذا كانت السياحة الثقافية تركز على مناطق الجذب الأثرية إلى جانب المنتجات الثقافية، فإن دولة الإمارات تقدم مزيجاً فريداً من التراثين المادي والمعنوي، يدعمها عنصر الثقافة المعاصرة وحتى المستقبلية، وهي تزخر بعدد كبير من المواقع والصروح التي تروي قصة الماضي وتقدم شاهداً استثنائياً عن دورها الحضاري الموغل في القدم؛ وإذا ما أضفنا إلى ذلك كونها وجهة رائدة للسياحة عموماً، وبيئة جاذبة للسياح ذات مستوى عالمي، فإن السياحة الثقافية تقدم فرصة استثنائية لإغناء تجارب الزائرين والانطلاق بها إلى عوالم جديدة تجمع ما بين الماضي والحاضر، وتمزج الترفيه بالثقافة ضمن إطار متناغم تُحفّزه المغامرة وتملؤه السعادة والمتعة.

وهي في الوقت نفسه تعد ركيزة أساسية في خلق المزيد من فرص العمل، سواء تلك المرتبطة بالفنادق والمطاعم ومتاجر الهدايا التذكارية وغيرها من مرافق، أو تلك المتعلقة بتنظيم الرحلات السياحية وتوفير الأدلّاء والمترجمين، وكذلك الأمر بالنسبة للعديد من القطاعات الاقتصادية الأخرى كقطاع البناء والتشييد الذي يختص بترميم وصيانة المواقع الأثرية، ولا ننسى هنا الابتكارات الرقمية في هذا المجال، التي ستفتح المجال واسعاً أمام العديد من التطبيقات والبرمجيات ذات الصلة، كالبوابات الأثرية على الإنترنت، والنماذج الرقمية التي تحاكي المواقع الثقافية، والمتاحف الافتراضية وغيرها الكثير.

ومما يجدر ذكره هنا هو أن السياحة الثقافية تضم البُعدين الثقافي والسياحي، وتسهم في الوقت ذاته في حمايتهما من خلال تعزيز مشاركة المجتمع في الحفاظ على تلك المقومات والاهتمام بها عبر إظهار أهميتها التاريخية والحضارية من جهة، ومدى تفاعلها مع البيئة الطبيعية المحيطة بها، وهي أيضاً ترقى بدورها الفاعل في استقطاب السياح وجذب الاستثمارات، وتربط ما بين الثقافة والإرث، وتعرف الجميع بالنشاطات والمهرجانات والفعاليات، وتبرز الدور المهم الذي تلعبه المتاحف كسجل تاريخي يشهد على الهوية العريقة للدولة بشكل عام.

والأهم أنها تعرف البشرية جمعاء بتراث آبائنا وأجدادنا، وتبوح لهم بأسرار الحضارات التي تعاقبت على أرضنا الطيبة، وتتيح الفرصة أمامهم لإلقاء نظرة على الماضي العريق لدولة الإمارات التي خطّت عنوان الحضارة وأرست جذورها عميقاً في صميم التاريخ الإنساني.

مؤسس سهيل للحلول الذكية

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه. 

طباعة