دور مجلس حكماء المسلمين في تعزيز التعايش السِّلمي

د. أحمد بن عبدالعزيز الحداد

دأَبَ مجلس حكماء المسلمين، منذ تأسيسه برعاية كريمة من دولة الإمارات العربية المتحدة، ورئاسة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، رئيس مجلس حكماء المسلمين؛ دأب على السعي الحثيث لإرساء مفاهيم التعايش السلمي بين فئات البشر وأطيافهم المختلفة، لإيمانه العميق بأن التعايش السلمي هو ما دعت إليه الديانات السماوية، وأقرته وتسعى إليه الديانات الوضعية؛ لأن البشرية كلها تمثل عائلة واحدة في الإنسانية، وقد خلقها الله تعالى لتعرفه بالإيمان والعبادة، وتعمر الأرض بما يبقيها صالحة لمصالحهم، فإن لم تتفق البشرية على الإيمان، فهي متفقة على المبدأ الإنساني، وعلى عمارة الأرض، التي هي لهم «كفاتاً أحياءً وأمواتاً»، وهذا المبدأ هو الذي أرسته شريعتنا الإسلامية، كما قال الإمام علي، رضي الله عنه: «الناس صنفان، إما أخٌ لك في الدين، أو نظيرٌ لك في الخلق»، ومعنى كونه نظيراً لأخيه الإنسان في الخلق، أن الواجب احترام هذه الخليقة التي تشاركك الصفات والأحاسيس، ولا يكون ذلك إلا بالعمل على ما يسعد الناس أجمعين، وهذا هو المنهج القرآني الذي نفخر بجعله دستور حياتنا لديننا ودنيانا، فإنه يقول: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}، ونبينا عليه الصلاة والسلام يؤكد هذا المعنى الإخائي بقوله: «يا أيها الناس، ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا أحمر على أسود، ولا أسود على أحمر، إلا بالتقوى، أبلغتُ؟ قالوا: بلَّغ رسول الله»، فهذا مبدأ إنساني يدعو الناس ليتفاوتوا بالأعمال التي تنيلهم الفضل لدى ربهم سبحانه، ويجمعها كلمة التقوى التي تعني أن يتقي المرء ربه، ليعمل بما أمر، ويكف عما نهى عنه وحذّر.

ولما كان مجلس حكماء المسلمين يستشعر هذه المعاني الإسلامية العظيمة، أخذ على عاتقه نشرها بين البشر، حتى يتعايشوا على كلمة سواء، وهي الإخاء الإنساني الذي أعدَّ له وثيقة عالمية اتفقت عليها الديانات السماوية، ووقعها زعيما الديانتين الكبيرتين: الإسلام، ممثلاً بشيخ الأزهر الشريف رئيس مجلس حكماء المسلمين، والمسيحية ممثلة بالبابا فرنسيس بابا الفاتيكان، وهي تمثل عمق التوجيهات الربانية من البشر، حتى ينعموا بالسعادة في دنياهم، ثم يكون إلى الله مآبُهم، فيجازي كلاً بما فعل، وقد أصبحت هذه الوثيقة وثيقةً أممية، والكل معنِيٌّ بتطبيقها.

وقد عقد مجلس حكماء المسلمين مؤتمرات وندوات ولقاءات عدة في دول متفرقة، سعياً منه لتحقيق معاني التعايش السلمي بين البشر، وها هو اليوم يعقد ملتقى البحرين الدولي، بحضور زعيمي الديانتين الإسلامية والمسيحية، وكثير من زعماء الديانات الأخرى، لتحقيق ما يصبو إليه من التعايش الإنساني السعيد، وهو الذي يُدندن عقلاء البشر عليه، إلا أنهم لا يقدمون له مبادرات تعكس دندنتهم، فمازال الهرج والمرج بين البشر والإفساد في الأرض على أشده، وليس هناك من يسعى لإطفاء الحرائق، كما يقوم به هذا المجلس الموقر، ومنتدى تعزيز السلم الذي يُعقد سنوياً في عاصمة السلم والسلام أبوظبي، الوارفة فيها ظلال المحبة والإخاء، ولعل الله تعالى أن يجعل في هذه الجهود ما يحقق المقصود من السلم والمسالمة بين البشر، وما ذلك على الله بعزيز.

• عقد مجلس حكماء المسلمين مؤتمرات وندوات ولقاءات عدة في دول متفرقة، سعياً منه لتحقيق معاني التعايش السلمي بين البشر.

«كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي»

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه. 

طباعة