أزمة المياه العالمية

محمد سالم آل علي

تشير دراسة حديثة، حسب ما جاء في منشورات المنتدى الاقتصادي العالمي، إلى أن الكوارث الطبيعية المتعلقة بالمياه، من عواصف وفيضانات وجفاف وندرة بالأمطار، يمكن أن تكلف الناتج المحلي الإجمالي العالمي 5.6 تريليونات دولار بين عامي 2022 و2050، ما جعل الدول في مختلف أنحاء العالم تستشعر فداحة الخطر القادم، وتتنبه إلى ضرورة التحرك واتخاذ الخطوات العاجلة بهدف إصلاح ما يمكن إصلاحه ضماناً لمستقبل المجتمعات البشرية.

وممّا يُسرع الخطى في ذلك الاتجاه هو أن لا أحد في منأى عمّا سيكون، فنحن في كوكب واحد وما يحدث في مكان سيترك آثاره حتماً في مكان آخر، ولا فرق هنا بين دول متقدمة ونامية ولا بين غنية وفقيرة، فالجميع في هذه الحالة على حد سواء.

والشواهد كثيرة ومتعددة، ففي باكستان مثلاً تسببت الفيضانات الشديدة في السنوات الأخيرة بالكثير من الدمار، حيث قتلت وشردت الآلاف من الناس، ناهيك عن نفوق ملايين الحيوانات وتدمير الأراضي والمحاصيل؛ والغريب هنا هو أن باكستان تسهم بما نسبته أقل من 1% من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري العالمية، إلا أنها على الرغم من ذلك تأتي في مقدمة الدول الأكثر عرضة لتأثيرات تغير المناخ، ما يؤكد حقيقة ما ذُكر أعلاه.

وقد بدأت تداعيات تلك الأزمة تظهر تباعاً في مختلف بقاع الأرض، ففي الصين مثلاً ضربت موجات الجفاف أجزاءً من نهر اليانغتسي، وهو الذي توجد عبر مجراه أخصب الأراضي الزراعية وأهمها في البلاد؛ كما أدى انخفاض منسوب الأنهار الأوروبية الرئيسة كالراين والدانوب، وأيضاً نهر كولورادو بين الولايات المتحدة والمكسيك، جنباً إلى جنب مع ندرة المياه الجوفية وارتفاع الحرارة إلى تعطّل الإنتاج الزراعي في أوروبا وغرب الولايات المتحدة؛ أما في إفريقيا فالأزمة أضحت أكثر وضوحاً مع تهديد خُمس سكان القارة بالجوع.

ودولنا العربية بدأت تعاني أيضاً، لاسيما أنها تقع ضمن نطاق الأقاليم المتضررة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، فبسبب الانخفاض المطّرد في هطول الأمطار، إلى جانب السدود والمشروعات المائية المتزايدة في دول المنبع، انخفض منسوب المياه في نهري دجلة والفرات إلى أقل من النصف، وتناقصت رقعة الأراضي المزروعة في كل من العراق وسورية، إلى أن وصلت نسبة انخفاض محصول القمح في الأخيرة إلى 75% عمّا كان بالماضي، بينما اختفى تقريباً محصول الشعير.

إنّ ما يحتاج إليه العالم اليوم هو إدراكه الكامل بأن الماء جزء من دورة طبيعية بدأت بالتعطل، وعليه، ومن خلال سعيه نحو اقتصاد منخفض الكربون درءاً للتداعيات المناخية، أن يركز جهوده أيضاً على التحديات التي تواجه أنظمة المياه باعتبارها أولويات اقتصادية واجتماعية وعناصر حاسمة في سبيل في تحقيق برامج التنمية المستدامة.

والحلول هنا لابد أن تأتي على شكل تحولات جوهرية لا مؤقتة، وهناك حاجة إلى توجيه الاستثمارات والابتكارات نحو الإدارة المتكاملة للمياه، خصوصاً في ما يتعلق بتقنيات الزراعة المتطورة وتخفيض تكاليف تحلية مياه البحار، والعمل على استعادة المياه من مصادر جديدة كالرطوبة الجوية، إضافة إلى الحلول المرتبطة بترشيد الاستهلاك عبر تخطيط المدن الذكية وتطوير شبكات الصرف الصحي، وغيرها من الحلول التي يمكنها أن تساعد في تقليل آثار الجفاف والفيضانات عبر العالم.

وفي الختام لابد أن يكون الجميع مسؤولين، لذا دعونا ننتظر ما ستأتي به قمة الأمم المتحدة للمناخ التي ستعقد بعد شهر من الآن، ومؤتمر الأمم المتحدة للمياه الذي سيليها في مارس من العام المقبل.

مؤسس «سهيل للحلول الذكية» 

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه.  

طباعة