5 دقائق

رفقاً بأبنائنا

الدكتور علاء جراد

سيظل موضوع تربية الأبناء والاهتمام بصحتهم النفسية والذهنية من أهم الموضوعات التي يجب أن تتصدر كل الأجندات الوطنية والتربوية والتثقيفية، ونظراً إلى ضعف الوعي وهشاشة الكثير من الأنظمة التعليمية وغياب الأنشطة التثقيفية الفاعلة، فإن معظم الآباء يتعاملون مع أبنائهم بالطرق نفسها التي استخدمها أهلهم منذ عقود، فهذا الأب يصرّ أن يحقق ابنه المرتبة الأولى في الامتحانات، ولابد أن يتفوق على أقرانه، خصوصاً أولاد أعمامه وأقربائه، وهذه الأم تدفع بابنها دفعاً قسرياً للذهاب إلى دروس السباحة، بغض النظر عن عدم رغبة الابن في الاستمرار في تلك الرياضة، بدليل عدم تحقيق أي بطولات ملموسة في هذا المضمار، ولكن تستمر ضغوط الأمهات لدرجة أن بعض الأطفال لاقوا حتفهم بسبب هبوط في الدورة الدموية بسبب الضغط الزائد من المدرب أو لأسباب صحية أخرى.

والطامة الكبرى هي إخفاق الطلاب في الثانوية العامة، التي باتت تشكل «رعباً» للأبناء وهاجساً يلازمهم، وكأن عدم الالتحاق بكلية معينة هو نهاية العالم، أو أن الرسوب في الثانوية هو نهاية المطاف. أتمنى أن يقف الأهل مع أنفسهم لحظات ويعيدوا النظر في طريقة تعاملهم وأسلوب الخطاب مع الأبناء، خصوصاً إذا كان الأبناء قد بذلوا أقصى ما لديهم ولم يوفروا جهداً في إنجاز ما يجب إنجازه، أتمنى أن يتوقف الأهل عن اللوم الذي يصل إلى مرحلة التنمر في أحيان كثيرة. ولا يقتصر سوء التعامل على نتائج الامتحانات فقط، ولكن تزرع بذرته في المراحل العمرية الأولى، حيث يتم توبيخ الأطفال لقيامهم بأخطاء من الطبيعي أن تحدث، كأن يكسر أو يتلف أي شيء أو ينسى تعليمات معينة، وما إلى ذلك من أشياء تحدث بصفة يومية، إن ردود الفعل التي نقوم بها كآباء، والتي قد تبدو بسيطة من وجهة نظرنا، يراها الطفل بعيون أخرى، فمجرد رفع نبرة الصوت قد يرهب الطفل ويفقده التركيز، وقد يزعزع ثقته بنفسه إذا استمر التعامل بهذا الشكل. إن العنف اللفظي يسبب ندوباً نفسية كثيرة قد لا يمحوها الزمن، فما بالك بالعنف الجسدي وسائر أنواع العقاب غير التربوية التي تتكرر بصفة مستمرة.

كثير من الآباء ينادون أبناءهم بألفاظ مثل: «غبي»، «متخلف» و«بليد». أمس تحكي طالبة حصلت على مجموع أقل من المتوقع في الثانوية العامة أن والدها ينادي أختها أن تخرج من غرفتها لتجلس معهم ولا تجلس مع تلك الأخت «الفاشلة»، على حد وصفه.

إن تفهمنا لأبنائنا وتقبل مستواهم الأكاديمي والأخطاء السلوكية ومساعدتهم في اكتساب الثقة بالنفس ورفع روحهم المعنوية، ما يساعد على بناء مجتمع سوي خال من الرواسب النفسية، من المهم جداً والضروري أن يمنح الأهل لأبنائهم مساحة «آمنة» للخطأ والتعلم، حيث إن التعلم من الأخطاء هو من أكثر أنواع التعلم فاعلية. أتمنى أن يثقف الأهل أنفسهم بحضور دورات توعية في تربية الأبناء، على أن تكون مقدمة من قبل جهات وأشخاص متخصصين ومؤهلين أكاديمياً وعملياً، كما أتمنى أن يكون هناك دور فاعل للباحثين والمتخصصين في العلوم الاجتماعية والنفسية، وعدم الاكتفاء بالأنشطة السطحية التي لا تُسمن ولا تُغني من جوع.

Garad@alaagarad.com

@Alaa_Garad

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه.

 

تويتر