5 دقائق

فضلُ يوم الجمعة وسننها

د. أحمد بن عبدالعزيز الحداد

يوم الجمعة يومٌ عظيم، اختص الله تعالى به هذه الأمة المرحومة، كما روى مسلم من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه، أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: «نحن الآخِرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، وهذا يومهم الذي فُرض عليهم فاختلفوا فيه، فهدانا الله له، فهم لنا فيه تبع، فاليهود غداً، والنصارى بعد غد»، وقد بيّن النبي، صلى الله عليه وسلم، عظمة هذا اليوم بقوله: «خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خُلق آدم، وفيه أُدخل الجنة، وفيه أخرج منها»، وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه، أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: «فيه ساعة، لا يوافقها عبد مسلم، وهو قائم يصلي، يسأل الله تعالى شيئاً، إلا أعطاه إياه»، وأشار بيده يقللها. زاد في رواية أبي عوانة وأحمد والحاكم: «وما من دابَّة إلا هي مُصيخَة يوم الجمعة، من حيث تصبح حتى تطلع الشمس شفقاً من الساعة، إلا الجن والإنس».

ولما كان هذا اليوم عظيماً شُرع في حقه سنن زمانية ومكانية كثيرة.

أما الزمانية فهي قراءة سورة الكهف في ليلتها ويومها، فقد ورد عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين»، وفي رواية: «أضاء له من النور فيما بينه وبين البيت العتيق»، والمعنى أنه يكون في نور الهداية أسبوعه كله؛ ولِما في هذه السورة من البركة، فإن الملائكة تتنزل عند قراءتها، كما صح في الحديث؛ ولما في حفظها من العصمة من فتنة الدجال، كما في رواية البيهقي لحديث أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه، ففيه: «من قرأ سورة الكهف كما أنزلت، ثم أدرك الدجال لم يسلط عليه، أو لم يكن له عليه سبيل، ومن قرأ سورة الكهف كان له نوراً من حيث قرأها ما بينه وبين مكة»، وكذلك يسن قراءة سورة الدخان، لما روى أبو يعلى الموصلي من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه، عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: «من قرأ سورة الدخان ليلة الجمعة أصبح مغفوراً له».

ومنها كثرة الصلاة والسلام على رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، لحديث أبي الأشعث الصنعاني، عن أوس بن أوس، رضي الله عنه، أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: «إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خُلق آدم، وفيه قُبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا عليّ من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة عليّ..».

ومنها والاغتسال والتزيّن والتطيّب، وتحصل سنة الغسل من صبحها؛ لما روى ابن ماجة وغيره من حديث أبي ذر، رضي الله عنه، عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: «من اغتسل يوم الجمعة فأحسن غسله، وتطهر فأحسن طهوره، ولبس من أحسن ثيابه، ومسَّ ما كتب الله له من طيب أهله، ثم أتى الجمعة ولم يلغُ، ولم يفرق بين اثنين، غُفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى».

ومنها التبكير إليها لينال أجر من قرّب بدَنَة ثم بقرة ثم كبشاً أقرن..

وأما المكانية فمنها سنة الجمعة القبلية التي يغفل عنها كثير من الناس، وقد ورد الحث عليها كثيراً، فمن ذلك حديث الشيخين أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: «بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة»، فإن هذا دليل على مشروعية السنن القبلية لكل فريضة، لأنه لا يؤذن إلا للفريضة.

ومن هنا استدل أكثر أهل العلم من المذاهب الأربعة على أن للجمعة سنة قبلية وبعدية، كسُنن الظهر، وألَّفوا في ذلك مؤلفات خاصة، كما فعل ابن رجب الحنبلي، وابن الملقن الشافعي، ونص عليها الفقهاء في كتبهم، ولما في ذلك من تحري ساعة الإجابة وهو قائم يصلي، كما نص عليه حديث أبي هريرة السابق، وهذه الساعة أخفاها الله تعالى عن عباده ليجتهدوا بتحرِّيها كل يوم الجمعة، ويدخل وقت هذه السنة بدخول وقت الظهر، ولو كان في مكتبه أو بيته.

فينبغي الحرص على سنة الجمعة القبلية كالحرص على سنتها البعدية، فإن النوافل القبلية مُمهدات للدخول في الفرائض بإقبال وخشوع، ولايزال العبد يتقرب إلى ربه بالنوافل حتى يحبه، كما صح في الحديث القدسي.

نسأل الله التوفيق والقبول.

«كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي»

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه. 

طباعة