5 دقائق

مدينة الـ 15 دقيقة

د. علاء جراد

تعتبر المدينة هي عنوان التحضر والمدنية، ويحاول الناس في معظم دول العالم النزوح من القرية إلى المدينة بحثاً عن الفرص والحياة الأفضل، بل إن كلمة حضارة ترتبط بالمدينة، فكلمة Civilization ترتبط بكلمة Civitas باللغة اللاتينية أي مدينة، ويعيش حالياً أكثر من 56% من تعداد العالم في مدن. ولكن على الرغم من أن المدينة تمنح الفرص بالفعل، لكنها في الوقت نفسه تمنح مسببات الأمراض، وتؤثر تأثيراً سلبياً في حياة سكانها، وما لم تتوافر بها بعض الأساسيات، مثل المساحات الخضراء وأماكن الترفيه والفعاليات الثقافية، فستكون بالفعل سبباً في الاكتئاب والأمراض النفسية والبدنية، ناهيك عن طول فترات الانتظار في كل مرفق والازدحام المروري، الذي يكلف كثيراً من الوقت والجهد، ولقد ظهر جلياً منذ بداية وباء «كوفيد-19»، أن تجنب المدن المزدحمة هو خيار جوهري لا غنى عنه، ومن هنا زاد انتشار مفهوم مدينة الـ15 دقيقة، وهو مفهوم تحاول بعض الدول تطبيقه منها فرنسا.

في مدينة الـ15 دقيقة، فإن كل ما يحتاجه السكان يتوافر على بُعد لا يزيد على 15 دقيقة من مكان إقامتهم، فأماكن التسوّق والتعليم، والفعاليات والترفيه، والرياضة، كلها تقع في غضون 15 دقيقة بالدرّاجة من مكان السكن، وبالطبع يحتاج ذلك إلى درجة عالية من التخطيط الحضري، وأيضاً تطبيق تكنولوجيا ذكية، خصوصاً في شبكة المواصلات. ولقد كانت كوريا سبّاقة كعادتها في كثير من المجالات للبدء في تطبيق هذا المفهوم، بل إنها حاولت تخطيه وبادرت بمدينة الـ10 دقائق فقط، ويبدو أنها تنجح في ذلك. وربما يأتي اليوم الذي تلحق بعض الدول العربية بهذا الركب ونبدأ في تخطيط جديد ومختلف عن التخطيط التقليدي، ولاشك أن هناك فرصة للتعلم من تلك الدول التي سبقتنا.

أما بالنسبة للأفراد فالكثير يعيد النظر الآن ويراجع أفكاره عن جدوى الفرص التي يمكن أن تمنحها المدن الكبيرة، ففي الولايات المتحدة ودول أوروبا بدأ الناس في الابتعاد عن المدن الكبيرة والتوجه حيث توجد مساحات خضراء أكبر، وقد ساعد تطوّر أدوات الاتصال وانتشار مفهوم العمل من المنزل، وكذلك استحداث فكرة مراكز العمل على أطراف المدينة على تقليل الازدحام في المدن، ففي لندن مثلاً قام كثير من الشركات والمؤسسات الحكومية بتأجير مكاتب خارج المدينة للعاملين غير المقيمين في لندن للعمل بها من دون الحاجة إلى الدخول لقلب لندن، بل وبدأت في عمل مراكز عمل متفرقة في أنحاء البلاد، وهي مجرد مكاتب يتم تأجيرها بحسب الوقت المستخدم لمن لا تسمح ظروفهم بالعمل من المنزل.

توجد حلول كثيرة وتجارب ناجحة في دول عدة لأنسنة المدن وتحويلها إلى مكان صحي خال من الازدحام ومسببات التلوّث والضغط النفسي وبكلفة معيشة في متناول قاطنيها، ولاشك أن الاهتمام بالصحة النفسية والبدنية للإنسان هو أحد مؤشرات نجاح أي حكومة تحرص على الاستثمار في البشر.

• في مدينة الـ 15 دقيقة، فإن كل ما يحتاجه السكان يتوافر على بُعد لا يزيد على 15 دقيقة من مكان إقامتهم.

@Alaa_Garad

Garad@alaagarad.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه. 

طباعة