خارج الصندوق

رسوم الخدمات.. الكابوس الذي لا ينتهي

إسماعيل الحمادي

«أصحو من نومي وبجانبي فاتورة قيمتها 70 درهماً يومياً».. جملة قالها لي أحد مستثمري العقار في مشروع ما، والغيظ يملأ قلبه على استثمار أمل منه عائدات مجزية كما كان يتوقع، وكما كان يُرّوج له، لكنّ كابوس الرسوم خيّب أمله، وأصبح ما يجنيه يذهب جلّه لتغطية تكاليف تلك الرسوم، وفي النهاية خرج باستثمار لا ناقة ولا جمل له فيه من عائدات!

فاتورة الخدمات التي تصل المستثمر حالياً تضم رسوم ست خدمات رئيسة، هي خدمات: التنظيف، والصيانة، والمرافق، والتأمين، والإيرادات، والتعديلات.

وتحت كل خدمة مجموعة رسوم أخرى، فمثلاً خدمة التنظيف تشتمل على سبعة أنواع من الرسوم، والصيانة تسعة أنواع، والتأمين خمسة أنواع. أما مجموع أنواع الرسوم المدرجة تحت تلك الخدمات الرئيسة الستة، فيصل إلى 27 رسماً.

فهل يعقل وجود 27 رسماً في فاتورة واحدة؟ إذاً ما دور 27 مكتب تدقيق متفقاً معها على تعزيز مبدأ الحوكمة والرقابة على العقارات ذات الملكية المشتركة، وضبط الموازنات السنوية لرسوم الخدمات والتقارير المالية المتعلقة بها؟ وفيم يتمثل هذا الضبط والتدقيق؟! وعن أي سنة نتحدث: 2019، 2020، أم 2021؟! المستثمر يدفع 70 درهماً يومياً رسوم خدمات، بمعدل 25 ألفاً و550 درهماً سنوياً لشقة مساحتها نحو 1400 قدم مربعة، وإذا كانت القيمة التأجيرية السنوية في ظل الظروف والأسعار الحالية لسوق الإيجارات لا تزيد على 45 ألف درهم، وبعد خصم كلفة رسوم الخدمات، ماذا نسمي الباقي؟ هل هذا هو العائد الاستثماري؟ أم الأرباح التي كان يتوقع هذا المستثمر تحقيقها من هذه الوحدة؟

وفي حال لم يتم إشغال الوحدة، ولم يتم العثور على مستأجر، لكثرة العرض، وتوافر الخيارات، كما هو معلوم، فمن أين يدفع المالك هذا المبلغ؟ طبعاً سيكون مضطراً لدفعه من محفظته الخاصة، لتجنب تضخم الفاتورة، وفرض رسوم أخرى عليها لتأخر دفعها.. وبالمنطق: أين العائد الاستثماري هنا؟

مع احترامي لقطاع واسع من العاملين في القطاع العقاري، وبعض المطورين ومكاتب التدقيق، فإن هناك إجحافاً في حق المستثمر من باب رسوم الخدمات، ورسالتي لكل هؤلاء هي إعادة النظر فيها، فهل طبيعة تلك المشروعات تستحق تلك الكلفة؟

يجب علينا الوقوف عند حد المقارنة مع الأرقام والمشروعات حتى نقدم فاتورة تليق بمقام المشروع أو المجمع السكني الذي تم إنجازه، ليواكب تطلعات واحتياجات ذوي الدخل المحدود والمتوسط من الأساس، سواء من المساحات التي تتطلب مستوى عالياً من الخدمة، أو المناطق المشتركة الكبيرة ذات الصيانة العالية، أو عدد المسابح، وغيرها من الخدمات. ولا ننسَ نظام التبريد العالي الكلفة.

ليست المرة الأولى ولا الأخيرة التي يشتكي فيها مستثمرون من كلفة رسوم الخدمات في القطاع العقاري، ولا تستغربوا كثيراً إذا قلت لكم إن معظم المستثمرين الذين انسحبوا من السوق، وأعادوا بيع عقاراتهم، كانت رسوم الخدمات هي السبب الأول الذي دفعهم لاتخاذ هذا القرار.

وإن بقي الأمر على حاله، فلا تلوموا المستثمر ذاته وتقولوا إنه فشل، بل لوموا قيمة الرسوم التي فُرضت عليه، وكأنها ضريبة غير مباشرة مفروضة على كل من تُسوّل له نفسه تملّك عقار. في الوقت الذي تُبذل فيه قصارى الجهود لتنشيط مبيعات السوق، واستقطاب مزيد من المستثمرين عبر مختلف المبادرات والمحفزات، هناك مستثمرون يخرجون منها كما دخلوها أول مرة، بسبب الرسوم المرتفعة التي أعاقت طموحاتهم الاستثمارية. ولقد تمت معالجة كل النقاط السوداء في القطاع لتشجيع الاستثمار، إلا النقطة الأشد سواداً مازلنا نعاني منها حتى اليوم، مع أنها بإجماع المستثمرين هي العائق الرئيس الذي يقف في طريقهم الاستثماري، فهل من مصغٍ!

للعلم، فإن قيمة تصرفات مبيعات الربع الأول من العام الجاري بلغت 24.8 مليار درهم، مسجلة نمواً مقارنة بالفترة نفسها من عام 2020 وعام 2019.

وللإضافة، فإن قيمة رسوم الخدمات كانت سراً من أسرار التحول نحو تملك الفلل ووحدات «تاون هاوس»، كون قيمتها أقل من تملك شقة في مبنى.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه. 

طباعة