5 دقائق

الابتكار في الإسلام

د. أحمد بن عبدالعزيز الحداد

شريعتُنا الإسلامية شريعةٌ متجددة في آلياتها، ثابتةٌ في منهاجها ونصوصها، مؤصلةٌ بقواعدها ومراجعها، تعيش في القرن 15 من تنزُّلها كما عاشت في قرنها الأول من حيث الثبوتُ والتجدد، ومن عوامل ثباتها تجددُ نشاطها الفكري في كل زمان ومكان يقتضي ذلك، فلم تكن في يوم من أيامها الخالدة حبيسةَ فكر واحد أو وضع واحد.

فلقد فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه التحرر في فهم النص والتفكير في مدلوله؛ ليتعاملوا مع نصوصها الخالدة وِفق دلائلها التي تحتملها اللغة، ولا تتعارض مع النصوص الحاكمة، والأسس العامة للتشريع، فاجتهدوا في فهم النص، واستنبطوا ما يحتاجه زمانهم ومكانهم ما يجعلهم في بحبوحة الشريعة الغراء، فابتكر الصحابة رضي الله عنهم علم النحو كأول ابتكار فكري.

وفي الصناعة الحِرفية ابتكروا صناعة الدبابات واستخدموها في حصار الطائف عام ثمانية للهجرة، وابتكر تابعو التابعين علم أصول الفقه الذي يضبط الاستنباط والاستدلال الفقهي، وعلم الجرح والتعديل الذي تصان به الرواية، وحفظوا به نصوص السنة النبوية من الدخيل، فكان أوثقَ علم عرفته البشرية لا تعرفه أمة قبلهم، ولم يقتد بها أهل دين من الديانات السماوية أو الوضعية حتى اليوم، وابتكروا علم الجبر وعلم البصريات وعلم الطيران إلى غير ذلك في نحو ألف ابتكار، كما دونت ذلك مدونات خاصة كمدونة سليم الحسيني المفيدة بعنوان «ألف اختراع واختراع»، فقد تناول فيها أهم الاختراعات العلمية من طب وصيدلة وفلك ورياضيات وغير ذلك مما اخترعه العلماء العرب والمسلمون في العصور المختلفة، وبين فيه كيف كان يعيش المسلمون عصرهم الذهبي، وكيف كانوا يصممون مدنهم ويطورون آليات الزراعة والعمارة، وكيف كانت أحوال الأسواق والتعاملات المالية وكذلك المنشآت التعليمية من جامعات ومدارس، إضافة إلى الفنون من عمارة وموسيقى.. إلى غير ذلك مما لا يخفى على المثقفين، ولا زالت آثارهم شاهدة في الأندلس والحواضر الأخرى.

إن كثيراً من الابتكارات الطبية والهندسية وعلم الاجتماع وعلوم الآلة والفلك والفنون المختلفة المعروفة اليوم مدينة لابتكارات المسلمين الأولى التي تطورت بعد ذلك بأيدي غير المسلمين في الغالب، وصودر الحق الفكري للمخترعين الأوائل من العرب والمسلمين، ولا يهمنا ذلك فالإسلام يدعو لنفع البشرية من حيث جاء النفع؛ لأن مثل هذه المعارف هي حق بشري، فمن اهتدى لشيء منها فالإسلام يرحب به ويكرمه.

إنما المهم أن لا يتوقف العرب والمسلمون عن مسيرة الابتكار وصناعة المستقبل، ولا يركنوا إلى غيرهم ليجودوا عليهم بما أنتجته أيديهم، ولا يظلون مرهونين في الماضي المفاخَر به بحق، بل ينبغي أن يكون شعارهم ما قال القائل وأحسن القول:

لسنا وإن كنا ذوي حسبٍ/‏‏‏ يوماً على الأحساب نتكلُ

نبني كما كانت أوائلُنا/‏‏‏ تبني ونفعل مثل ما فعلوا

وها هي الإمارات العربية المتحدة بعزيمة شيوخها الأماجد، وحكومتها الوثابة؛ تخطو خطواتٍ جادةً في الابتكار وصناعة المستقبل واستشراف الأفضل والأكمل، فلما جددت منهج الإسلام في السعي للابتكار، والحرص عليه، ووضعت المعوقات جانباً؛ وصلت إلى الطموحات الأولى في اختراق الفضاء حتى تجاوزت سطح القمر، ووضعت أقدامها الوثابة في المريخ الواعد في تكوينه البيئي للبشرية جمعاء، وذلك فضلاً عن الصناعة الأولية والتحويلية، وفضلاً عن أنها جعلت الابتكار واستشراف المستقبل هدفاً حكومياً سخرت لذلك الإمكانيات اللازمة للتقدم الصناعي والتقني، والتطور الحضاري والتشريعي، وهذا ما ينبغي أن يكون هم كلِّ فرد من أفراد الناس أجمعين، عرباً وعجماً مسلمين وغير مسلمين؛ لأن الحياة المدنية تفرض على الناس أن يواكبوها لاجتلاب الصالح ودفع الضار، فأيُّ شعب أو دولة لم تفعل ذلك ستظل في مؤخرة الركب، وقد لا يصل إليها شيء ينفعها مما هو لدى غيرها من تقدم وتطور، وعندئذ ستعُضُّ أصابع الندم، ولات حين مندم، في وقت يكون الناس قد سادوا وشادوا وبلغوا المكان الذي أرادوا.

الإسلام ينادي بالعمل والجد والمثابرة كما ورد عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: «أحزِر لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا». وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما نحو ذلك.

هذا هو منهج الإسلام أيها المسلمون فلا تغفلوا ولا تركنوا لغيركم، فلديكم الكفاءات والإمكانات التي قد لا توجد لغيركم.

«كبير مفتين مدير  إدارة الإفتاء في دبي».

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه. 

طباعة