خارج الصندوق

ليس الخلل في الفائض الكمي بل في «النوعي»

إسماعيل الحمادي

تشير إحدى دراسات السوق إلى أن سوق العقارات في دبي سجلت دخول ما يزيد على 38 ألف وحدة سكنية خلال العام الماضي، فيما من المتوقع أن يرتفع العدد إلى نحو 53 ألف وحدة يتم تسليمها السنة الجارية، مقارنة بنحو 65 ألف وحدة جديدة في عام 2019.

ومن زاوية النظر إلى العدد الإجمالي ومقارنته عبر السنوات الثلاث نجد أن العدد تضاءل مما يعطي انطباعاً مبدئياً عن استعادة السوق لمساره من خلال موازنة معادلة العرض والطلب، لكن ماذا لو كانت 50% من نسبة ذلك العدد كلها تمثل نوعاً واحداً من المساحات السكنية التي تشهد السوق فائضاً فيها منذ سنوات كشقق الاستوديو أو غرفة وصالة.. وماذا لو كان ذلك العدد لا يلبي النسبة الأكبر من احتياجات المتعاملين بالسوق من حيث النوع والمساحة.

هل يمكن أن نقول هنا إن المعادلة توازنت، أم نقول إن المعروض تضاعف، لهذا حسب رأيي زيادة عدد الوحدات التي تدخل السوق أو تراجعه ليس معياراً كافياً لموازنة معادلة العرض والطلب، بل نحن مطالبون بانتهاج معيار آخر لاستعادة المسار يعتمد على النوعية لا الكمية.

كسرنا كل الحدود تقريباً لتعزيز مكانة القطاع وكل ما كان مستحيلاً بالأمس أصبح ممكناً اليوم، ورغم كل ما حققه القطاع، والذي لا يمكن مقارنته بأكبر الأسواق العقارية في العالم، لكن مازلنا نركز في قراءاتنا لأداء السوق على كمية المشروعات المطروحة دون التركيز على نوعيتها.

لنسأل أنفسنا الآن، كم شقة بغرفة نوم واحدة موجودة في السوق، وكم منها تم إشغاله والباقي لم يستخدم بعد؟ وكم شقة بثلاث غرف موجودة بالسوق وتم إشغالها، والسؤال نفسه يطرح حول شقة «دوبلكس» وفيلا منفصلة أو متلاصقة، وغيرها.

بديهياً نحن لانزال ننظر للعدد الإجمالي للمنتج العقاري فقط، فإذا زاد العدد عن حده نقول إن هناك وفرة في المعروض مقارنة بالطلب، ونبدأ بالبحث عن السبل والحلول. ولايزال بعض المطورين ينظرون لما ينتجونه كرقم ومن باب جودة البناء والتصميم والموقع، بينما لا يعيرون اهتماماً كبيراً إلى نوعية تلك المنتجات كمعيار رئيس يسهم في تحسين بيئة الاستثمار، ويستقطب شرائح جديدة من المستثمرين والمستخدمين النهائيين للعقار.

معظم المطورين ينظرون اليوم إلى منتجاتهم من باب الاستثمار لا الاستخدام النهائي للعقار. وهنا نوجه عنايتهم لإعادة النظر في سلة منتجاتهم من حيث النوعية والمساحات وليست الكمية وما يتطابق مع متطلبات السوق الحالية والاتجاهات المستقبلية.

كما نوجه عنايتهم إلى اعتماد خريطة عقارية واضحة لدبي من شأنها أن تفرز مخرجات واقعية وملموسة في المنتج العقاري حسب حجم ونوعية المشروعات والوحدات السكنية المطروحة، وخلق موازنة حقيقية وعادلة لهذا المنتج من خلال إجراء دراسات دورية لنوعية المشروعات والوحدات التي يحتاجها السوق.

كم يحتاج السوق من عقار فاخر وكم يحتاج من غرفة فندقية، وكم يحتاج من عقار صناعي، وكم يحتاج من فيلا منفصلة أو متصلة، وكم يحتاج من شقة «دوبلكس»، وكيف يتم توزيعها بدقة على مناطق دبي.

ربما هذا ما يجب اعتماده كمعيار جديد لإرساء معالم سوق عقارية قوية يتساوى فيها العرض مع الطلب.. نعم لعملية ضبط عدد المشروعات العقارية، لكن في الوقت نفسه يحتاج الأمر إلى عملية ضبط للنوعية تهدف إلى رسم خريطة عقارية واضحة لدبي بمخرجات واقعية وملموسة تخفف عن المطورين والهيئات المعنية بالقطاع عناء سوء التنظيم وزيادة المعروض النوعي، لأن الخلل اليوم ليس في الفائض الكمي، بل في الفائض النوعي.. فهل سنرى ذلك يوماً؟

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه. 

طباعة