5 دقائق

مالطا لن تخرب مرة أخرى

د. علاء جراد

عندما نسمع اسم مالطا نتذكر مثلين، الأول «كأنه بيأدن في مالطا»، والثاني «أتى بعد خراب مالطا»، ولقد حاولت معرفة أصل المثلين، ولكن لم أجد مصدراً موثقاً تماماً سوى روايات قد تحتمل الخطأ أو الصحة، بالنسبة للمثل الأول، فيُحكى أنه عندما استعمرها العثمانيون كانوا يرفعون الأذان، ولأن أهل مالطا يدينون بالمسيحية فلم يكن أحد منهم يستجيب للأذان، أما المثل الثاني فعندما احتل الفرنسيون مالطا استغاثوا بالعثمانيين، ولكنهم كانوا منشغلين بحروب استعمارية أخرى، ولم يغيثوا أهل مالطا، وعندما أرسلوا الإغاثة كانت بعد عامين حيث دمر الفرنسيون مالطا وخربوها. وبالتالي عندما يأتي الغوث بعد فوات الأوان نقول جاء بعد خراب مالطا.

لقد تنبهت مالطا أن الاستثمار الحقيقي هو في البشر، وأن التعليم عالي الجودة هو سبيلها للتنافسية بل والتفوق على الدول الأغنى، وقد بدأت بالفعل تجني ثمار ما غرست، حيث تحتل الآن المرتبة الخامسة على مستوى دول الاتحاد الأوروبي الـ27 في مؤشر التعلم الرقمي مدى الحياة، وقريباً ستتفوق على فنلندا والكثير من دول العالم في جودة نظام التعليم قبل الجامعي، حيث وضعت حلولاً جذرية وفعالة لربط مخرجات التعليم بسوق العمل.

ومن خلال برنامج بوصلة التعليم ستغير مالطا نظام التعليم الموحد الذي يندرج فيه الجميع ويدرسون المناهج نفسها بالأساليب نفسها، ليحل محله نظام التعليم الذي يراعي الفروق والميول الفردية، وبالتالي سيجد الطلاب أمامهم فرصاً عدة للاختيار والتعلم، كما سيتم إعداد المعلمين ليتمكنوا من إنجاح التجربة، وتم إشراك أصحاب العمل والمؤسسات في صياغة مخرجات التعليم ومعايير جودتها، آخذين في الاعتبار احتياجات المستقبل بكل تغييراته ومفاجآته، وأكثر ما يميز التجربة هو إشراك الطلاب أنفسهم في تحليل الوضع الحالي، والوضع المرغوب فيه في المستقبل.

الأكثر أهمية في هذا المشروع هو عدم التركيز على جانب التكنولوجيا فقط، ولكن تم التركيز على بناء الشخصية أو ما يُسمىCharacter Education حتى يتم إعداد جيل ذي قيم ومبادئ وليس مجرد آلات للحفظ والاهتمام بالعلوم فقط دون التركيز على الجانب الأخلاقي والسلوكي.

احترمت مالطا عقول وخبرات أبنائها، فعهدت إلى عالم التفكير الشهير «إدوراد دي بونو» ليقود فريق العمل الذي يعمل على إعادة صياغة وتطوير نظامها، كما استعانت بخبرات من دول عدة مثل السويد، النمسا، سنغافورة، اسكتلندا، فنلندا وإنجلترا، وقد شرفت بأن أكون أحد هؤلاء الخبراء ضمن فريق يزيد على 40 خبيراً، منهم الرئيسة السابقة لمالطا، وكذلك وزيرة التعليم والتوظيف، ووكيل الوزارة. تم استخدام أساليب تفكير «دي بونو» في إدارة جلسات المنتدى والاجتماعات.

مما شاهدته خلال هذه التجربة، يمكنني القول إنه لن يكون هناك خراب في مالطا مرة أخرى، بل كل تقدم وعلم وتعلم وعمل وستجذب الأنظار في المستقبل القريب.

@Alaa_Garad

Garad@alaagarad.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .


احترمت مالطا عقول وخبرات أبنائها، فعهدت إلى عالم التفكير «إدوراد دي بونو» ليقود فريق العمل لتطوير نظامها.

طباعة