5 دقائق

التضامنُ وروح ركاب السفينة

د. أحمد بن عبدالعزيز الحداد

عَقد منتدى تعزيز السلم مؤتمره السابع هذا الأسبوع بعنوان «قيم ما بعد كورونا» - التضامن وروح ركاب السفينة - برعاية سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، وزير الخارجية والتعاون الدولي، الذي يحمل هم الأمة لتنجو من أهوالها، وهو عنوان فرضته جائحة كورونا العالمية، التي فعلت بالبشرية أفاعيل لم تعرف لها مثيلاً، ولا يمكن تلافي خطرها إلا بتضامن كتضامن ركاب السفينة الذين يَحيَون معاً أو يموتون معاً، فكان اختياراً ملهماً موفقاً من قبل العلامة الملهم الشيخ عبدالله بن بَيَّه رئيس المنتدى، فإنه بثقابة ذهنه لمح ذلكم الحديث النبوي العظيم، الذي مثّل به النبي عليه الصلاة والسلام ما تنجو به الأمة أو تهلك بقوله: «مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خَرقاً ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا، هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجَوا، ونجوا جميعاً».

- يجب أن تعم هذه الرحمة عموم الخلق، ولا تُتَّخذ وسيلة لابتزاز الأغنياء، وسحق الفقراء أو منعهم ليبقوا في مرمى الفيروس.

فإن هذا التمثيل البليغ لحال الأمة التي تجتمع على ما ينفعها ودفع ما يضرها، هو تصوير واضح جلي لحال البشرية اليوم، فإنها قد أصيبت بمقتل، فلا ينجيها من إتمام إزهاقها إلا أن تتماسك على دفعه، والإنسانية اليوم مقتنعة بهذا المفهوم الذي وضّحه الحبيب المصطفى، صلى الله عليه وسلم، الذي لا ينطق عن الهوى، والذي بُعث رحمة للعالمين، فإنه قد صوّر البشرية كلها بركاب سفينة تمخر في لج البحر، والبحر سيبتلعها بمن فيها لو أنها تعرضت لخطر الخرق، وها هي البشرية اليوم تكاد تغرق من خرق غير مرئي، ويهدد الكل بغرق لا نجاء فيه إلا أن تتماسك على دفعه، فجاء هذا المؤتمر الموفق ليضع إضاءات ومنارات لتهتدي البشرية بها حتى تنجو من الغرق.

ومن ذلك أن تتضامن تضامن ركاب السفينة الواحدة، فيأخذ القوي بيد الضعيف، والصحيح بيد المريض، حتى ينجوا جميعاً، ومن ذلك أن يُنحى بعقود المعاملات المتأثرة بهذه الجائحة بمبدأ وضع الجوائح الذي وضعه الإسلام حتى لا يضام طرف لمصلحة آخر، وأن يعود الغني بماله على من لا مال له، فيشتري له حاجاته التي ينجو بها من الفيروس، كما فعلت دولة الإمارات العربية المتحدة، التي سحّت ببذل ما في وسعها من مستلزمات الوقاية من الفيروس لكل شعب محتاج، وأن تعود الدول المصنعة بخيرات تصنيعها من مستلزمات طبية ووقائية وأجهزة ضرورية على من لا يملكها ولا يقدر على شرائها.

وأخيراً، وقد بدت بوادر تصنيع اللقاح الواقي من هذا الفيروس من قبل شركات الأدوية، فإن عليها أن تقوم بواجبها الإنساني نحو الإنسان كلِّ الإنسان، فلا تجعل من إنجازات العلماء الباحثين الذين توصلوا إلى اللقاحات المفيدة وسيلة للتربح والمزايدة على حاجات الناس، فإن الإنجاز العلمي الذي فتح الله تعالى به على العلماء يعد رحمة إلهية بالعباد، ويجب أن تعم هذه الرحمة عموم الخلق، ولا تُتَّخذ وسيلة لابتزاز الأغنياء، وسحق الفقراء أو منعهم ليبقوا في مرمى الفيروس، فإن فعلت ذلك، فإن من يُحرم هذا اللقاح سيكون بؤرة لنقله لغيره، وتعود الكرَّة كأن لم يكن شيء من ذلك الإنجاز الذي هو رحمة بالعباد، فإن الذي أنزل الداء هو الذي أنزل الدواء، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولو شاء ربك ما فعلوه، ولا اهتدوا إليه.

وقد وضع هذا المؤتمر الموفق المسؤولية ملقاة في عنق كل ركاب هذه السفينة البشرية التي تميد الآن من هذا الوباء، ويوشك أن تغرق إن لم يتكاتف ركابها على التجديف بها حتى ترسو في بر الأمان، وقد كانت مشاركة المؤتمرين فيه متفقة على وجوب التكاتف البشري لإنقاذها من الغرق، وإلا فإن اللائمة ستعمهم، ولات حين مندم.

ومن خلال هذا التمثيل النبوي البليغ نعلم أن النبي عليه الصلاة والسلام كان رحمة للبشرية، وهادياً لها لما ينقذها من الهلاك البدني والمعنوي، وها هم ورثته يبلغون سنته وهديه للبشرية، فعلى البشرية أن تعرف قدر هذا النبي العظيم صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.

«كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي»

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه.

طباعة