5 دقائق

يوم المجد المؤثَّل

د. أحمد بن عبدالعزيز الحداد

ما أكثر ما تُذكر أيام المجد في عالمنا اليوم! فكلُّ أمة تزهو بمجدها في يوم حدوثه، وتجعل ذلك اليوم ذكرى وطنية تفاخر به الأمم، وما من أمة لها يوم كيوم الاتحاد الإماراتي؛ ذلكم المجد المؤثل الذي صنع اتحاداً لم تُرَق فيه قطرة دم واحدة، ولم يكُ قسرياً لأي متحد، ولا انتهازياً ليفوز طرف على حساب آخر، ولا موجهاً ضد أي أحد، إنما كان اتحاداً صَفَت فيه النوايا، وصدقت فيه التوجهات، وقويت فيه العزائم على إنشاء كيان متحد، يخدم الشعب ويعمر الأرض، ذلكم هو يوم المجد المؤثَّل الذي صنعه شيوخ الإمارات في الثاني من ديسمبر عام 1971م، بقيادة أبي الإمارات الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان - طيب الله ثراه - الذي آلى على نفسه ألا يكون أمةً وحدَه، بل مع إخوانه الذين سيشدون أزره، ويقوون عضده، ويبنون معه مجده، فحُق لهذا اليوم أن يكون يوماً مشهوداً لأهل الأرض قاطبة، ليروا كيف تصنع النوايا الحسنة وصدق الإرادة وحسن التوجه، كيف أصبحت الأرض الغبراء أرضاً جميلة زاهية خضراء، والوضع المعيشي أسعد عيشاً وأهنأ، فهذه الأمة التي كانت تعد أمة بدوية تعيش على منهج الصحراء العربية من الاكتفاء في العيش بالأسودين، والتواصل على الخيل المسومة والإبل الفارهة، إلى وضع فاقت به أرقى حضارات الدنيا اليوم، واقتصاد شامخ يضاهي اقتصاد الدول العريقة في الصناعة والزراعة...

- الاتحاد نشأ قبل خمسة عقود، وكأن حبره لم يجف، فلم تهُن له عزيمة.

والأجلُّ من ذلك كله هو البقاء على روح الاتحاد الذي نشأ قبل خمسة عقود، وكأن حبره لم يجف، فلم تهُن له عزيمة، ولا لانت له قناة، بل إن الأحفاد وأبناء الأحفاد هم اليوم أشد فخراً وتماسكاً مما كان عليه الآباء والأجداد بهذا الاتحاد العظيم الذي قرب لهم البعيد، وألان لهم الحديد، وأصبحوا اليوم يتباهون بالقمر والمريخ، وبأمن وأمان لا تعرف البشرية له مثيلاً في عالمها اليوم، كل ذلك ببركة تلك النوايا الصادقة التي قام عليها الاتحاد الإماراتي، فحلَّت فيهم بركة السماء التي أشار إلى مثلها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما»، ولا شك أن صفقة الاتحاد كانت مبايعة لله تعالى ورسوله وولي الأمر الذي قاد الاتحاد، فكانت أعظم من صفقات التجارة المادية، فتوالت بركات الله تعالى على هذا الاتحاد بفتح كنوز الأرض، ليعود خيرها على الشعب، وإسباغ الأمن ليتعايش الناس بحب ووفاء، وصدق الله إذ يقول: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾، فهذه سنة الله في خلقه التي لا تتبدل، وستظل هذه البركات الإلهية ما دام هذا الإيمان والتقوى يعمران قلوب العباد وربوع البلاد.

إن اليوم الوطني الذي نعيش ذكراه 49 يقتضي منا أموراً حتى تظل هذه الذكرى مشدودة الأزر، محمية الأصل والفرع.

أولها: دوام شكر الله تعالى على نعمة الاتحاد التي هي هبة من الله وتوفيق منه، فإن شكر المنعم سبحانه واجب بالشرع والعقل، وهو سبب دوام النعم وزيادتها.

وثانيها: أن نعرف الفضل لأولئك الآباء المؤسسين الذين غرسوا شجرة الاتحاد لنعيش في ظلالها الوارفة بسعادة بالغة، فنذكرهم بالدعاء والثناء والعهد على مواصلة البناء والسير على نهجهم بلا انثناء.

وثالثها: أن نظل على العهد والوفاء لخلفائهم الذين يحمون الحِمى، ويذودون عنا الأذى، ويغدقون العطاء، من شيوخنا الكرام، وعلى رأسهم صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، وصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، وكل أصحاب السمو أعضاء المجلس الأعلى للاتحاد حكام الإمارات، الذين يحملون راية الاتحاد بعزم لا يلين، وعطاء لا يهين.

ورابعها: أن ننظر إلى المستقبل أكثر من النظر إلى الماضي؛ فإن المستقبل يحتاج إلى عزم شديد، وجهد جهيد أكثر مما كان عليه عزم الآباء؛ لما للمستقبل من تحديات كثيرة، أكبرها المنافسة المحمومة من الدول ذوات السبق الحضاري والصناعي والتقني، ونحن أمة علمنا شيوخنا أن نكون في صدارة الأمم، ولا نقبل أن نكون في الوسط، فضلاً عن المؤخرة، ومثل ذلك لا يتغلب عليه إلا بقوة الإرادة وتضحيات كثيرة.

نسأل الله تعالى أن يديم علينا نعمة الاتحاد والأمن في ظل هذه القيادة.

«كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي»

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه. 

طباعة