5 دقائق

الأزهر الشريف رِدءُ الإسلام

د. أحمد بن عبدالعزيز الحداد

كان الأزهر الشريف ولايزال بمشيخته العالية ردءاً قوياً، وحامياً منيعاً، ومُعيناً وظهيراً للإسلام والمسلمين في كل العصور، منذ نشأته قبل أكثر من ألف عام، فهو يبث العِلم وينشره، ويخرِّج العلماء والدعاة، ويؤلف المؤلفات النافعة في فنون المعرفة المختلفة، وإذا ما تعرَّض الإسلام للأذى هبَّ هَبةً مُضرِيَّة لحمايته والدفاع عنه كما يجب وكما يُحب المسلمون، حتى لا يشوب الإسلام شوب نقصٍ أو أذى، ولا أدلَّ على ذلك من موقف شيخ الأزهر رئيس مجلس حكماء المسلمين، الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، في وجه الرسوم المسيئة لنبي الإسلام، سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، النبي الذي أرسله الله رحمة للعالمين، وحلّاهُ بخُلق عظيم، النبي الشافع للأمم أجمعين، الذي ختم الله به الرسالات، وأزاح به الجهالات والضلالات، هذا النبي العظيم الذي لم تشهد البشرية عظمةَ رجلٍ مثلَه بشهادة منصفي الشرق والغرب من مستشرقين وأدباء ومؤرخين، ومع ذلك يتعرض لتشويه بذيءٍ من رَعاع الناس ليكتسبوا شهرة سرعان ما ترتد عليهم حَسرة.

- كان الأزهر ولايزال وسيظل درعاً حصينة للإسلام والمسلمين.

وهو الأمر الذي أغضب العالم الإسلامي كله، وأغضب عقلاء البشر أجمعين، غير أن ذلكم الغضب لم يُحرك ساكناً لدى من يقدسون حرية التعبير على حساب مقدسات الإسلام والأديان، وأجلُّها نبي الله العظيم، صلى الله عليه وآله وسلم، حتى حركها شيخ الأزهر رئيس مجلس حكماء المسلمين، بالإعلان عن رفع دعوى قضائية على الصحيفة التي تنشر الرسوم الكريهة، ما جعل الساسة يأتون إلى شيخ الأزهر الشريف معتذرين، فيتخذ موقفاً حاسماً من هذا المقدس العظيم، وأبان لهم بصريح القول: «حين يكون الحديث عن الإسلام ونبيه فأنا لا أجيد التحدث بالدبلوماسية»، وأنه يرفض اعتبار الإساءة لنبينا الأعظم حرية تعبير، وأنه أول من يحتج على حرية التعبير إذا أساءت لأي دين، وأنه سوف يحرص على تتبع المسيئين في المحاكم الدولية، حتى لو أفنى عمره في ذلك، وأنه لا يقبل أبدا أن يُتَّهم الإسلام بالإرهاب، وأن الأزهر قديماً وحديثاً يحارب الإرهاب فكراً وتعليماً، وأن الأزهر يمثل ما يقارب من مليارَي مسلم، وأن الإسلام بريء من تصرفات من يقاتل باسمه، وأن الإرهابيين لا يمثلون المسلمين، وأن المسلمين ليسوا مسؤولين عن أفعالهم، وأن أوروبا مدينة للدين الإسلامي ولنبيه الأعظم الذي نشر النور للبشرية جمعاء، وأنه إن كانت المسيحية ليست مسؤولة عن حادث نيوزيلندا فيجب الإقرار بأن الإسلام ليس مسؤولًا عن أي حادث إرهابي.. الخ، ما قاله من صراحة وصرامة، وجدال بالكلمة الحسنة وقول الحق.

وهكذا كان الأزهر ولايزال وسيظل، إن شاء الله تعالى، درعاً حصينة للإسلام والمسلمين، يدافع عن قضاياهم بالكلمة الفاضلة والأسلوب النبوي جدالاً بالتي هي أحسن، وهو ما يجب أن يعرفه المسلمون ويتبعوه في أساليب حياتهم لنصرة دينهم وقضاياهم المصيرية.

لقد أبان شيخ الأزهر الشريف عن أن الإسلام يرفض دعوى الكراهية، وأنه يحترم الآخر ولا يقابل السيئة بالسيئة، وإنما يدعو إلى الفضائل ومكارم الأخلاق، فهو الذي يقول: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾، ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾، فهذا هو منهج الإسلام الذي يجب أن يعرفه أهله وغير أهله، أما أهله فليعملوا به، وأما غير أهله فليبرئوه ممن يفعل الأفعال النكراء باسمه، فإذا كان الإرهاب لا دين له، كما قال صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد، وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، حفظهما الله، «وإن المحبة والتعايش بين البشر هما طوق النجاة للإنسانية من هذا الخطر الداهم، وإن العالم مدعوٌّ لوقفة مراجعة لترسيخ التسامح بين الأديان»، فلا مجال إذن لنشر ما يذكي الكراهية بين بني الإنسان بمثل هذه الرسوم المسيئة وغيرها، وكما أشار خادم الحرمين الشريفين، الملك سلمان بن عبدالعزيز، حفظه الله، مؤخراً، إلى أهمية تعزيز التقارب بين أتباع الأديان والحضارات، ونشر قيم التسامح والاعتدال، ونبذ كل أشكال الممارسات التي تولد الكراهية والعنف والتطرف.

فهؤلاء وغيرهم من رجال السياسة والشريعة يعبّرون عن مفهوم حرية التعبير التي يتذرع بها المسيئون للبشرية بنشر الفوضى والكراهية، فلا يحق لمن يفهمها فهماً خاطئاً ليتعدى على حرمات الغير، فإن حرية المرء مكفولةٌ في حدود احترام الغير، فإذا كانت تمس الغير فهي جناية تستوجب الجزاء.

«كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي»

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه. 
 

 

طباعة