مساحة حرة

الموجة الثانية

فيصل محمد الشمري

جائحة «كورونا» ليست أول تحدٍّ بشري، فتاريخ الإنسانية زاخر بالأوبئة التي قضت على الملايين من البشر، إذ قضى وباء «الإنفلونزا» في بدايات القرن الـ20 على الملايين، وموجته الثانية كانت أشد وطأة وانتشاراً بسبب تراخي الإجراءات الاحترازية، واستعجال العامة لاستعادة الوضع الطبيعي للحياة من دون أي وعي وإدراك للنار المشتعلة تحت الرماد.

الأمر ذاته ينطبق على إجراءات التعامل مع وباء «الطاعون»، ومنه ما أخذناه من الهدي النبوي، من منع السفر إلى بؤر تفشي الوباء، وعدم مغادرة المقيمين أو الزائرين لهذه البؤر، لمنع نقل العدوى إلى مناطق أخرى.

إن مثل هذا الالتزام الشرعي والقانوني والأخلاقي يجب تطبيقه، وتستدعي المصلحة العامة مساءلة ومحاسبة غير الملتزمين، كونهم يعرضون حياتهم وحياة الآخرين للخطر، ولا يأتي ذلك بثمن بخس، بل له تداعيات مركبة.

فلقد قدر بعض الخبراء، ومنهم الأستاذ الدكتور علي الخوري، الخسائر العالمية التي سببتها تداعيات «كورونا» بـ12 تريليون دولار حتى الآن، ومن المتوقع استمرار نزيف الخسائر لمدة أطول، إذ لا توجد حلول عالمية عملية وواقعية، فضلاً عن أن الأطر الدولية لاتزال قاصرة عن علاج هذا التحدي الإنساني، وكما نلاحظ فإن الموجة الثانية ضربت أوروبا في موجع، ومن المتوقع أن تضرب الموجة الثانية عالمياً.

استعداداتنا في دولة الإمارات نموذج يحتذى، لكن التحدي يتطلب تضافر الجهود المجتمعية والقطاع الخاص وشبه الحكومي، مع القطاع الحكومي، الذي لم يدخر جهداً أو مالاً في التعامل مع الجائحة. والحلول غير التقليدية تتطلب دراسات معمقة ومبتكرة لدراسة الأثر النفسي والاجتماعي والاقتصادي والبحوث العلمية المتقدمة، وحتى المسائل والجوانب التشريعية والرقابية والتوعوية، وذلك لاستمرار التميز العالمي، والحفاظ على سلامة المجتمع واستقراره من تبعات الموجة الثانية، ولا يقتصر ذلك على الالتزام بالتباعد الاجتماعي وحسب، بل يتطلب نهجاً مبتكراً وعصفاً ذهنياً جماعياً، ومختبرات ابتكارية وإبداعية، لطرح تحديات المرحلة، والتحضير للـ50 عاماً المقبلة.

ان قدرات العلماء والأطباء في الدولة، من مواطنين ومقيمين، أثبتت قدرتها على أن تكون خط الدفاع الأول، لكن تجارب الدول الأخرى، والدروس المستفادة من عودة العدوى لمرضى تشافوا بعد الإصابة الأولى، تثبت بما لا يدع مجالاً للنقاش أو الفلسفة غير المجدية أن الوقاية خير من العلاج، ودرهم وقاية خير من قنطار علاج.

فيجب أن نستعد جميعاً للموجة الثانية، ونشارك في جهود الوطن للحفاظ على سلامة أهلنا وذوينا وأنفسنا ومجتمعنا ووطنا ككل، ونبقى واحة أمن وأمان.

مستشار إداري داخلي غير مقيم في مركز الإمارات للمعرفة والاستشارات بكلية محمد بن راشد للإدارة الحكومية

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة