5 دقائق

التوكل والمتوكلون

د. أحمد بن عبدالعزيز الحداد

من الحقائق الإيمانية - لدينا معاشر المؤمنين بالله ورسوله - التي يجب أن تحلى بها حقيقة؛ التوكلُ على الله جل في علاه في جميع أمورنا، ويعرفه الزهاد والعباد بأنه «طرح البدن في العبودية، وتعلّق القلب بالربوبية، والطمأنينة إلى الكفاية، فإن أُعطيَ شكر وإن مُنِع صبر»، ويعني في أبسط تعاريفه: «الثقة بما عند الله واليأس عما في أيدي الناس»، وهو المعنى الذي أراده الله تعالى من عباده حينما خاطبهم به بمثل قوله سبحانه: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، أي اعتمدوا عليه لا على غيره، فأتمروا بأمره وانتهوا عن نهيه؛ لأنه هو ربكم ومدبر شؤونكم، ومتولي أموركم، أما غيره فإنه عاجز عن نفع نفسه، فكيف بغيره؟! وكما قال أبوفراس الحمداني:

إذا كان غيرُ الله للمرء عدة * أتته الرزايا من وجوه الفوائد

- إننا في زمن الوباء الذي عرفنا بدايته ولا نعرف نهايته، والذي تتضارب فيه الأخبار تضارباً تجعل الحليم حيراناً؛ نحتاج أن نَصدُق في التوكل على بارينا سبحانه.

وأنت أيها العبد القصير النظر، البعيد الأمل، لا تملك لنفسك نفعاً ولا ضراً ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً، فلابد أن تكل أمرك لمن خلقك وقدرك وسيرك، فهو الذي يحي ويميت، ويضر وينفع، ويغني ويُقني، فإن أنت تحققت بهذه الحقيقة الإيمانية لم يتخل عنك موعود الله ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾، أي كافيه أمر دنياه ويهيؤه لأخراه على ما يحبه ويرضاه.

هذه الحقيقة التي يؤمن بها المؤمنون الموحدون، إلا أنه لا يُرى أثرها لدى كثير منهم، فكثير من الناس واقعين بين طرفي الإفراط والتفريط، فمنهم من طرح التوكل جانباً ورأى أن لنفسه الحول والطول، ومنهم من انبطح على وجهه ولم يسع سعي المتوكلين، وكلا طرفي قصدِ الأمور ذميمُ.

إن التوكل على الله تعالى من أسس الإيمان به سبحانه وتعالى، لذلك كانت شريعتنا الإسلامية الغراء مفعمة بمباحث التوكل؛ أمراً به، وحثاً عليه، وتحذيراً من تركه، وثناءً على أهله، كل ذلك حتى يكون المؤمن متصفاً به بحكم إيمانه بربه الذي خلق كل شيء وقدره تقديراً، ولا يخرج عن ملكه وملكوته شيء، ﴿مَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾.

إننا في زمن الوباء الذي عرفنا بدايته ولا نعرف نهايته، والذي تتضارب فيه الأخبار تضارباً تجعل الحليم حيراناً؛ نحتاج أن نَصدُق في التوكل على بارينا سبحانه، وأن نعمِّي أبصارنا ونصم آذاننا عما يقال وينشر كل يوم، لعلنا نتجاوز هذه المحنة كما يتجاوزها الصادقون في التوكل، والذين يعلمون أن ما أصابهم لم يكن ليخطئهم، وما أخطأهم لم يكن ليصيبهم، ويرون أن الذي أنزل الداء سينزل الدواء ولابد، وأن السعي لإنجازه جزءٌ من التوكل، وأن الأخذ بأسباب الوقاية منه لا ينافي التوكل، وأن من أصيب به فلحق بربه فذلك أجله المحتوم الذي قدر عليه في الأزل، وأن من صبر على الابتلاء به في جسده أو رزقه أو نفسه سينال أجر الصابرين.

هذا هو الذي ينبغي أن نعيشه واقعاً مع وباء كورونا الذي لا يكاد يفِر حتى يكِر، ولعله يستمر حتى يكون جزءاً من حياة الناس كسائر الفيروسات القديمة، فلا سبيل إلى تجاوز محنته إلا بصدق التوكل على خالقه سبحانه، فهو الذي ابتلى به عباده، ولا تخلو أفعاله سبحانه من حكمة قد لا تدركها العقول؛ لأن الحكيم لا تكون أفعاله إلا لحكمة، وإن كان يقين كثير منا أن هذا الوباء مفتعل، إلا أن نسبة الفعل إلى من افتعله نسبة مجازية، والفاعل الحقيقي هو الله سبحانه كما قال جل شأنه: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾، والقائل: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾، فمن توكل عليه كفاه، ومن اعتصم به هداه، ومن اتقى به وقاه، وحيث إننا مؤمنون به وبحكمته وقضائه وقدره، فلنثق بأنه لم يخلق هذا البلاء عبثاً ولا باطلاً، فأفعاله سبحانه منزهة عن ذلك، وبذلك سنريح أنفسنا من كثير مما أصابنا في أنفسنا من نقص في الأموال والأنفس والثمرات، ونعيش بقية حياتنا مع مولانا على مراده سبحانه منا، لا على مرادنا لأنفسنا، ولعلنا نكون بهذه الحقيقة الإيمانية من السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب، وهم الذين ﴿على ربهم يتوكلون﴾.

نسأل الله أن يجعلنا منهم.

«كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي»

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه. 

طباعة