5 دقائق

دار الهجرة التي لم تكن صالحة للهجرة

د. أحمد بن عبدالعزيز الحداد

سعدت جداً كما سعد غيري بفيديو عفوي للشيخ إبراهيم بن قيم الأخضر شيخ القراء بالمدينة المنورة وإمام الحرمين الشريفين سابقاً، حفظه الله تعالى وبارك في عمره وعلمه وعمله، تحدث فيه في جلسة عارضة حديثاً رائعاً عن المدينة المنورة - على صاحبها أفضل الصلاة والسلام - لم نقرأ ولم نسمع مثل ما ذكره من قبل.

لقد كان حديثاً مستنبطاً من واقع المدينة، وهل هي متأهلة لأن تكون دار هجرته صلى الله عليه وسلم وعاصمة دولته، ومنطلق شريعته؟ فذكر أنها البلد الوحيد في العالم الذي لم يكن أهلاً لذلك في العادة؛ لِما كانت عليه من وضع اجتماعي متناحر؛ العرب أوسهم وخزرجهم متناحرون قد أفنت الحرب أكثرهم، واليهود وطوائفهم من جهة أخرى فيما بينهم وفي التحريش بين القبائل وصناعة السلاح، فضلاً عما كانت عليه - يثرب - بِيئِياً من الوباء الذي يفتك بالقادمين إليها فتكاً ذريعاً، فذكر حفظه الله أن الله تعالى أراد أن يكون هذا البلد - غير المؤهل للهجرة عادة - أن يكون هو المؤهل الوحيد لهجرة النبي عليه الصلاة والسلام؛ لكسر نواميس العادة لنبيه، فكانت إحدى معجزاته صلى الله عليه وآله وسلم، فإنه ما أن وضعت ناقته القصواء جِرانها في ثراها المبارك حتى ألَّف الله تعالى بين هذه القلوب المتناحرة من طوائفها المختلفة، فوضع أول وثيقة تعايشية – مواطنة كاملة – المعروفة بصحيفة المدينة، أو وثيقة المدينة، لم تعرف البشرية مثلها من قبل، وكانت بين جميع الطوائف المستوطنة هذا البلد المبارك، بما فيهم الغرباء المهاجرون الذين أتوا معه عليه الصلاة والسلام، الفارون بدينهم، الحاملون لواء النصرة لدين الله مع أصحاب الوطن الأوس والخزرج الذين استعدوا للنصرة والحماية، فأصبحت رابطة الإخاء بينهم أقوى من رابطة النسب، وإذا بهم جميعاً يصبحون بنعمة الله إخواناً كما وصفهم الله تعالى، بعد أن كانوا أعداءً متناحرين، وإذا بالأرض الوبيئة التي لا يطيقها الغرباء يتغير وضعها إلى أطيب أرض هواءً وتربة، ببركة حلول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيها، واستجابة لدعوته المباركة: «اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، اللهم بارك لنا في صاعنا وفي مدنا، وصححها لنا، وانقل حُماها إلى الجحفة». قالت عائشة رضي الله عنها: «وقدمنا المدينة وهي أوبأ أرض الله، قالت: فكان بُطحان يجري نجْلاً، تعني ماءً آجِناً».

نعم لقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يود أن تكون مكة هي منطلق دعوته وعاصمة دولته؛ فهي أحبُّ البلاد إلى الله وأحب البلاد إليه، فلما يأس منها عرض نفسه على القبائل العربية من أهل الطائف ونجد واليمن قبل أن يعرض على أهل يثرب؛ لأن بلدانهم مهيئة في العادة لأن تحمل همَّ الدعوة فيأوي إليها المهاجرين ويحسن منقلبهم إليها؛ لكن الله تعالى شاء غير ذلك حتى تكون نواميس العادة مغايرة لنبيه في كل شيء، وأن الله تعالى سيغير له الأرض ومن عليها؛ لأنه موعود بالنصر وبإظهار دينه على الدين كله، ولا يكون ذلك إلا بخرق العوائد وتغيير المعهود.

إن المدينة المنورة التي أضاء منها كل شيء عند مقدمه صلى الله عليه وسلم كما قال أنس ابن مالك رضي الله عنه لا بد أن تضيء الدنيا بهذه الرسالة الخاتمة التي ارتضاها الله تعالى لعباده، فلا غرابة أن يتغير فيها كل شيء فتصبح المدينة محببةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأمته أشد من حبهم مكة، ولذلك قال للأنصار: «المحيا محياكم والممات مماتكم»، وأن تعود طيِّبة التربة، طيبة الهواء، مباركة الرزق، محببة لكل نفس مسلمة، ولا غرابة في كل ذلك، فهي كما استشهد الشيخ حفظه الله بقول الشاعر:

لأي أرضٍ يشُدّ الرحلَ راكبُه*يبغي المثوبة أو يشتاقه عطنُ؟

أبعْدَ روضتها الغنَّا وقبتها الخضراء يحلو بعينَيْ مسلمٍ وطن؟

ما غوطةُ الشام ما نهرُ الأَبُلَّة ما حمراء غرناطةٍ ما مصرُ ما اليمن؟؟

كل المُنى في رحاب المصطفى جمعت * دنياً ودينا فما في مثلها ثمنُ.

اللهم عجل لنا بالفرج وافتح لنا الأبواب لزيارة حبيبك المصطفى ومسجده المبارك ومدينته الطيبة، فقد برح بنا الشوق.

• نعم لقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يود أن تكون مكة هي منطلق دعوته وعاصمة دولته.

«كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي»

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه. 

طباعة