5 دقائق

العودة إلى المساجد

د. أحمد بن عبدالعزيز الحداد

هذه المساجد وقد فُتِّحت أبوابها تنادي محبيها المتعلقين بها أن هلموا إلينا فادخلونا آمنين، تنادي من تقطع قلبه أسى على الحرمان منها رِدحاً من الزمن كبير في نفوس المتعلقين بها المرتادين لها غدواً وعشيا وحين يُظهرون، الذين فقدوا راحة النفس وطمأنينة القلب بانقطاعهم عن أحب البقاع إلى الله، وأماكن تجلياته وتنزل رحماته، كما قال ابن عباس رضي الله عنهما: «المساجد بيوت الله في الأرض، تضيء لأهل السماء كما تضيء نجوم السماء لأهل الأرض».

- عدنا إلى المساجد وينبغي أن نستشعر أن عودتنا إليها هي مِنة أخرى بعد مِنة العافية.

ها هي اليوم تجدد اللقاء بهم، مرحِّبة بهم، فدخلوها وشموا عَبَق الإيمان، ونفس الرحمن، وسمعوا تلاوة القرآن خاشعين له، وإليه منيبين، ومن مؤاخذته وجِلين، قائلين الحمد الله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن، وأعاد إلينا الأنس، وجمعنا بمن نحب من الأتراب والأصحاب، وآنسنا باللقاء بعد طول البعد واستشعار الجفاء.

عدنا إلى المساجد وينبغي أن نستشعر أن عودتنا إليها هي مِنة أخرى بعد مِنة العافية، فقد نجانا الله من البلاء، وأنعم علينا بالعافية، وقد كان كل منا وجِلاً أن تكون خاتمته في هذا الوباء، وهو بعيد عن رياض الجنة التي كان يرتع فيها طول عمره، وها نحن نعود إليها بعافية في الأبدان وأمن في الأوطان، ورغبة فيما عند الملك الديان، أن لا يعيد علينا مثل هذا الحرمان.

نعود إلى المساجد واثقين بأن الله تعالى لن يحرمنا مما عودنا من الخير، وأن ما أصابنا لم يكن إلا درساً إيمانياً أسداه الله إلينا لنعرف أنه المنعم بالتوفيق للطاعة، والمتفضل بقبولها، وأن المرء لا يملك أن يعطي نفسه مناها من الخير إلا أن يشاء الله، وأن الواجب علينا أن نستوعب الدرس بأن الحسنة من الله توفيقاً، ومنه قَبولاً وإثابة، فليس كل من يريد أن يفعل الخير يوفق له ويعطاه حتى يكون الله هو الذي منحه توفيقه وهداه.

إن نعمة المساجد كبيرة لم يكن الكثير يعرف قيمتها حتى حُرمها؛ لأن النعمة لا تعرف إلا عند فقدها، فمن عرف قيمتها فليستشعر المنعم بها وهو الله تعالى، فإنه هو الذي اتخذها في دنياه بيوتاً له سبحانه، ليكرم بها من أحبه من عباده كما ورد في الأثر عن عمر رضي الله عنه قال: «المساجد بيوت الله في الأرض، وحق على المزور أن يكرم زائره»، وقال عمرو بن ميمون الأودي: «أدركت أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهم يقولون: إن المساجد بيوتُ الله في الأرض، وإنه حق على الله أن يكرم زائره فيها».

فيكرم من زاره بفضله وإحسانه وتمنُّنه عليه، أولاً بأن تردده إليها شهادةٌ إلهية له بالإيمان، ورفعةٌ في الجنان، وحطٌ للأوزار، كما وردت بذلك الأخبار، وكما قال ابن أبي الدرداء رضي الله عنه: أوصاني أبي: يا بني ليكن المسجدُ بيتَك فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «المساجد بيوت الله، وقد ضمن الله لمن كانت المساجد بيته بالروح والراحة والجواز على الصراط إلى الجنة».

كل هذا الفضل عاد إلينا، فلنشكر الله تعالى عليه، ومِن شكره أن نحافظ على الصلوات فيها، ونحافظ على التعليمات المرشدة إلى التوقي مما كان سبباً لحجبنا عنها، ونسأل الله مخلصين أن يديم علينا بقاءها، ونعمة الوصول إليها.

إن العودة إلى المساجد تعني العودة إلى الحياة الطبيعية التي حرمناها، وتعني قبل ذلك أن الجهات الراعيةَ لمصالحنا قد أمنت على الناس، فأتاحت لهم العودة الطبيعية لحياتهم اليومية، فاستحقت الشكر الوافي، والثناء الكافي، والدعاء الصادق على ما بذلت ورعت وأنفقت وتحملت وجاهدت من أجل مصالحنا وحمايتنا من الوباء العارم، الذي استهدف الكل، ولولا تلكم الجهود والمواقف العظيمة لاستفحل الداء، وعظُم الخطْب، ولكنَّ اللهَ سلّم بفضله وبما سخر لنا من حكومة رشيدة لم تألُ جهداً في الحماية والرعاية.

وينبغي أن لا نغفل عن مراد الله تعالى من عباده وقد صرف الوباء، وأحل الشفاء، أن نعلم أن ما أصابنا لم يكن ليخطئنا، وما أخطأنا لم يكن ليصيبنا، وأن الفاعل في الكون كله هو الله تعالى، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فسبحانه هو الولي الحميد.

«كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي»

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه.

طباعة