5 دقائق

«كورونا» والحدود

عبدالله القمزي

منذ 12 عاماً إنهار النظام المالي العالمي في الولايات المتحدة الأميركية، وكانت له تداعيات على الكثير من الدول في العالم. من آخر عام 2008 وحتى أول 2010، تحدث العالم عن الأزمة الاقتصادية التي تبعتها زلازل اجتماعية وسياسية. لو نعود بالزمن إلى ذلك الوقت نجد أن كل الصحف لم تخلُ من خبر عن الأزمة على كل صفحاتها، بالضبط كما يحدث اليوم.

من نتائج تلك الأزمة، سياسياً، زحف الشعبويين على الحكم في أوروبا وأسقطوا حكومات توالى عليها الديمقراطيون والعمال والاشتراكيون منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. هؤلاء الشعبويون غيروا مسار سفنهم بعيداً عن واشنطن، وباتجاه الصين. وكما هو معروف لم يلبث أن تغير المشهد في واشنطن نفسها، وأتى الشعبوي دونالد ترامب إلى سدة الحكم متغلباً على أشهر السلالات السياسية في تلك البلاد.

يرى الكثير من عامة الناس أن أزمة «كورونا المستجد/‏‏‏ كوفيد - 19» مختلفة عما سبقها، كونها جديدة لم يسبق لها مثيل، والكثير منهم لا يتذكر شيئاً من فترة الأزمة الاقتصادية العالمية سوى أن كأس العالم 2010 أتى في وسطها! في الحقيقة لو نظرنا إلى حركة التاريخ ككل، فإن كل الأمور تبدو طبيعية جداً وفي مسارها.

تعصف الأزمات السياسية والثورات بالعالم منذ ما قبل الميلاد، وتضرب الأزمات المالية الاقتصادات كل 10 أعوام أو أكثر منذ الكساد العظيم، وتعبر الأزمات الاجتماعية الحدود مواكبة للزلازل السياسية والاقتصادية. والأزمات الصحية لا تختلف عن غيرها وتعبر الحدود لأنها مرتبطة بتنقل البشر.

ما لم يستوعبه البشر سرعة انتقال «كوفيد - 19» عبر الحدود في غضون شهرين، وهذا حدث بسبب العولمة التي تعيش أزهى عصورها اليوم مقارنة بالأزمنة الماضية. الحدود ورقة انتخابية عند الشعبويين في أوروبا وأميركا.

في إيطاليا استغل ماتيو سالفيني زعيم حزب الرابطة والنائب السابق لرئيس الوزراء أزمة «كوفيد - 19» وربطها بالمهاجرين الذين عبروا الحدود قادمين من البحر جنوباً، لكن لا دليل على ذلك، خصوصاً أن الأزمة ذات طابع بيولوجي، يعني غير مرئية بالعين المجردة.

أمّا رئيس الوزراء جوزيبي كونتي، فقد رفع رصيده الانتخابي بإجراءات غلق صارمة غير مسبوقة في تاريخ إيطاليا، وأحرز 71% في استطلاعات الرأي. ترامب على الضفة الغربية من الأطلسي، غرّد في بداية الأزمة أن هذا «كوفيد - 19» سبب الحاجة إلى إغلاق الحدود، وهذه ورقته الانتخابية من منظور أمني.

لكن الفيروس انتشر في أميركا، رغم منع الرحلات القادمة من الصين، بسبب الأميركيين القادمين من الصين، وأطلق ترامب على «كوفيد - 19» الفيروس الصيني (وعد بالتوقف عن التسمية في 24 مارس)، وهي إشارة غير مباشرة إلى موضوع الحدود. لكن حسب رؤية ترامب فإن الاقتصاد لا يجب أن يغلق بالكامل، وهذه ورقته الانتخابية الأخرى.

بالعربي: من المبكر جداً القول إن أزمة «كوفيد - 19» ستسقط الشعبويين المناهضين للعولمة من الحكم، وفي الوقت نفسه أجبر الفيروس حكومة الصين التي تفضل نسختها الخاصة من العولمة (طريق الحرير الجديد) على وقفها بإغلاق البلاد وتعطيل سلاسل الإمداد لعبور الأزمة. مكافحة الفيروس لن تؤدي إلى استعادة الثقة السائدة في الفترة الماضية، لكنها سترسخ ثقافة جديدة لفكرة الحدود الجغرافية ستتضح معالمها أكثر بعد نهاية الظروف الراهنة.

Abdulla.AlQamzi@emaratalyoum.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه . 


يرى الكثير أن أزمة «كورونا المستجد/‏‏ كوفيد - 19» مختلفة عما سبقها، كونها جديدة لم يسبق لها مثيل.

طباعة