5 دقائق

لعلّهم يتضرَّعون

د. أحمد بن عبدالعزيز الحداد

لِلَّهِ تعالى سننٌ في كونه لا تتبدل ولا تتخلف إذا وُجدت أسبُابها، منها سنة الأخذ بالبأساء والضرَّاء عندما تنحرف خليقته عن موازين الهدى والخير التي أرادها لهم، ولا يعني ذلك عدم الإسلام فحسب، بل الانحراف السلوكي ظلماً وطيشاً واستعلاء وإفساداً في الأرض.. فإن الله تعالى حرَّم الظلم على نفسه وجعله بين عباده محرماً، وأقام الدنيا والكون كله على ميزان العدالة، والإنصاف والتعاون بين العباد لفعل الخير حتى يعيش الجميع على تكافؤ الفرص ونيل العيش الكريم، فإنْ هم فعلوا ذلك فإنه سبحانه رب الجميع ومالك الكل، ولا يرضيه أن تعيش أمة مستعلية تفسد في الأرض دون أن يعاقبها، فإما أن يأخذها أخذ عزيز مقتدر، أو ينذرها بما يدل على جبروته سبحانه حتى ترجع إلى مستواها الحقيقي من الضعف والاستكانة لجبار السماوات والأرض، هذا ما يشير إليه قول الحق جل في علاه: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾، والمعنى: أنهم لما لم يستجيبوا لنداء الحق ولم يسمعوا واعظ الدين، نؤاخذهم بالبأساء من حروب مدمرة، أو فاقات موجعة، أو أمراض خطِرة، فلعل ذلك يَزعُهُم عن غيِّهم فيعودون إلى جادَّة العدالة، ليعيش الجميع في ميزانها.

- إن جنده سبحانه

أقوى من العتوِّ الكبير

لابن آدم.

يفعل ذلك بهم تارة استئصالاً كما مضت سنته مع أقوام بادوا، فأخبرنا عنهم بقوله: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.

وتارة بمؤاخذة بسيطة تُرعب وتُجزع وتُفزع؛ لتكون تنبيهاً للعباد حتى يعودوا إلى الرشد والهدى، وقد كان مثل ذلك في سابق الدهر كثيراً، ويعيشه هذا الجيل اليوم واقعاً بعد أن كان يسمعه خبراً.

إن المتأمل لهذا الفيروس العالمي «كورونا» الذي بدأ صغيراً ثم انتشر في الآفاق حتى عمّ الطباق، الذي يتطاير في الهواء لا يدركه النظر الحاد ولا تلمسه اليد الحساسة، ليُشعر عباده بأنهم أضعف مخلوقاته، وأن جنده سبحانه أقوى من العتوِّ الكبير لابن آدم.

وإذا حل العذاب فإنه يعمّ صالحهم وطالحهم كما هي سنته سبحانه عند أخذهم بالبأساء وإن كان فيهم خيِّرون، فإنهم يؤخذون بظلم غيرهم ثم يبعثون على نياتهم.

إن مالك الملك سبحانه يتصرف في ملكه كيف يشاء، فلا يُسأل عما يفعل، ولكن يُسأل العباد عن أفعالهم، فها هو مالكنا سبحانه يبتلينا بأضعف جنده، فكيف إذا نُفخ في الصور، كيف يكون حال عباده الضعفاء حينما تُبدل الأرض غير الأرض والسماوات؟! كيف يكون حالنا يومئذٍ والوقت قريب كما ورد في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «كيف أَنعمُ وصاحب الصور قد التقم القرن، وحنى جبهته ينتظر متى يؤمر أن ينفخ؟»، قالوا يا رسول الله، فما نقول يومئذ؟ قال: «قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل».

فنقول حسبنا الله ونعم الوكيل، هذا الذكر الذي قاله إبراهيم حين أُلقي في النار فكانت برداً وسلاماً عليه، وقالها محمد صلى الله عليه وآله وسلم حينما قال له الناس: «إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم»، فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء.

علينا أن نلجأ إلى مولانا سبحانه، فهو ما ابتلانا إلا لنرجع إليه كما قال سبحانه: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا﴾، فإن هذا تحضيضٌ من الله لنا أن نتضرع إليه ونتوسل أن يرفع عن عباده الرجز والعذاب، فإنهم إن رجعوا إليه لم يردهم خائبين كما وعد سبحانه وهو لا يخلف الميعاد، فإنه «ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رُفع إلا بتوبة»، فعلى العباد أن يفتحوا صفحة جديدة مع رب هذا الجند الضعيف، ويستجيروا به فيجدوه مجيراً لا يُضام جائرُه، ها هم ملوك الأرض يُذعنون صاغرين لهذا الفيروس الضعيف الذي أتاهم من حيث لا يحتسبون، فلم يستطيعوا مقاومته بل أعلنوا عجزهم، ليعلم الجميع أن العجز هو سمة ابن آدم، وأنه لا بد أن يلوذَ بالقوي المتين سبحانه، فهو القاهر فوق عباده، فلعله يرسل له حفظة تحميه، ولا يكون ذلك إلا لمن عرفه والتجأ إليه.

- «كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي»

 لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة