5 دقائق

السُّنة محفوظة

د. أحمد بن عبدالعزيز الحداد

يختص ديننا الإسلامي العظيم بأن الله تعالى، الذي أنزله وشرع أحكامه، قد تكفل بحفظه، فلا يمكن أن يُبدَّل أو يُحرف أو يتلاعب فيه المتلاعبون، كما قال ربُّنا جلَّ في عُلاه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾، والذكر هو القرآن الكريم الذي هو المصدر الأول للتشريع في الإسلام، وحفظه يستلزم حفظ السُّنة التي هي مبيِّنة له، كما قال سبحانه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾، فالذكر الذي في سورة النحل هو الذكر السابق في سورة الحِجر، ولذلك كانت تشريعات السُّنة من تشريعات الذكر الحكيم، كما قل سبحانه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، وبذلك يطمئن المسلم على سنة نبيه عليه الصلاة والسلام، كما اطمأن على كتاب ربه، وقد كانت الوسيلة لحفظ الكتاب والسنة هي وجود العلماء الأجلاء، الذين يبينون للناس خطأ من يريد العبث بأي شيء من أحكامهما، فضلاً عن نصوصهما، ففي كل مِصر وعصر يقيض الله رجالاً متخصصين، ينفون عنهما تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأولين الجاهلين، كما بشر بذلك النبي المعصوم، عليه أزكى الصلاة والتسليم، فالقرآن الكريم لم يزد منه حرف ولم ينقص منذ أن أنزله الله تعالى على نبيه، والسنة النبوية قيض الله لها رجالاً رووها ودونوها وشرحوها، وبيّنوا مراتب ودرجات ثبوتها، ومكانة الاستدلال بها، فذابت جهود المفسدين من وضاعين وواهمين وغير حافظين أو ناقصي العدالة، كما يذاب الملح في الماء، حيث كان المحدِّثون لهم بالمرصاد، فلم يستطع أحد من الكذابين أن يروج كذبه وينسبه إلى السنة، ومن كان في حفظه أو عدالته شيء بيّنوا درجته في الحفظ ومنزلته في العدالة، فلم يكن حديثه محل العمل، وإن سيقت روايته مساق الحديث، فذلك للاحتياط، ولِما قد يكون لروايته من نفع في الشواهد والمتابعات التي قد تنهض بتلك الرواية إلى درجة الحسن والعمل، فليس هناك حديث روي عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلا وقد مُحِّص تمحيصاً دقيقاً في القرون الأولى من عصر الرواية، وما يكون للعصور المتأخرة إلا الاقتباس من فضل علمهم ودقيق نظرهم، ولذلك يقول سفيان الثوري، رحمه الله: ما ستر الله أحداً يكذب في الحديث، وقيل لابن المبارك: هذه الأحاديث الموضوعة؟ قال: تعيش لها الجهابذة، وتلا قوله سبحانه: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له الحافظون﴾.

- السُّنة المطهرة هي الوحي الثاني وهي المصدر الثاني للتشريع، فيجب أن تكون محل القداسة.

وقد استنبط الأئمة الفقهاء من تلك الأحاديث الأحكام الشرعية، والآداب المرعية، والقصص الوعظية، والأخبار الغيبية، بقوانين المحدّثين في الأخذ والترك، وإن اختلفت مدارك الاستنباط وقواعد الاستدلال بين مجتهد وآخر، فإن جميعهم لم يختلفوا في وجوب العمل بهذه السنة المطهرة كما يجب العمل بالقرآن، ولم يقدم أحد اجتهاده ورأيه على دلالة حديث نبوي كانت دلالته ظاهرة، كما لم يعوّل أحد منهم على حديث موضوع أو واهٍ بمرة أو ضعيف شديد الضعف، فكانت الشريعة بذلك محفوظة مصونة عن عبث العابثين، وبذلك تكون الدعاية للتقليل من شأن السنة، والأخذ والترك منها بالتشهي، أمراً غير مقبول من عوام الناس، فضلاً عن عمومهم.

إن السنة المطهرة هي الوحي الثاني، وهي المصدر الثاني للتشريع، فيجب أن تكون محل القداسة برواتها وكتبها ورجالها وشُرَّاحها وفقهائها، ولقد كان السلف يرون أن المساس بها مساس بثوابت الدين، كما جاء عن أبي زرعة الرازي، رحمه الله، وهو من أئمة الجرح والتعديل: «إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فاعلم أنه زنديق»، ذلك أن الرسول، صلى الله عليه وسلم، حق، والقرآن حق، وما جاء به حق، وإنما أدى إلينا ذلك كله الصحابة، وهؤلاء يريدون أن يجرحوا شهودنا، ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى، وهم زنادقة.

فضلاً عن أن حَمَلة السنة العدول هم أولياء الله، كما قال الخليل بن أحمد: «إن لم يكن طائفة أهل العلم أولياء الله فليس لله ولي»، ومعلوم أن معاداة الأولياء هي حرب لله تعالى، كما صحت به السنة، ومن ذا الذي يبارز الله بالمحاربة؟!

«كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي»

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه. 

طباعة