5 دقائق

كيف نفهم السنة؟

د. أحمد بن عبدالعزيز الحداد

من المتفق عليه بين المسلمين أن السنة المطهرة وحي يوحى، كما أخبر الله جل ذكره بقوله: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى۞إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾. وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه»، وما يفعله النبي، عليه الصلاة والسلام، كمثل ما يقوله أو يقرِّره؛ لأن السنة هي أقوال النبي، صلى الله عليه وسلم، وأفعاله وتقريراته وصفاته الخُلُقية، ومنه ما هو جِبِلِّي، ومنه ما هو تشريعي، فالجِبِلّي كالطعام والشراب والنوم والنكاح، فهذا النوع ما كان منه بداعي الجِبِلّة والطبيعة فهو شأن البشر كلهم، فمن نظر إلى هذا النوع بحكم العادة البشرية لم ير في رُسُل الله فرقاً عن الآخرين، وهو ما حكاه الله عن مكذبي الرسل، حين قالوا: ﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾،

﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾.

أما من نظر إليه على أنه لا يفعل إلا الكمال، فاقتدى به، كان سنة في حقه، ويثاب عليه، وهو ما كان يفعله كثير من الصحابة، رضي الله عنهم.

ومن هذه الأفعال ما يكون تشريعاً لبيان الجواز، كما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أنس (خادمه)، ومن حديث عائشة، رضي الله عنها، أنه «كان يطوف على نسائه في ليلة واحدة بغسل واحد»، فهذا يتعلق ببيان حكم شرعي تحتاجه الأمة، وهو جواز تأخير الاغتسال، وجواز إعادة المعاشرة من غير اغتسال، مع ما ثبت في سنن أبي داود من حديث أبي رافع (مولاه)، أنه صلى الله عليه وسلم طاف ذات يوم على نسائه، يغتسل عند هذه وعند هذه، قال: قلت له: يا رسول الله، ألا تجعله غسلاً واحداً؟ قال: «هذا أزكى وأطيب وأطهر»، فكان يفعل الأفضل تارة، ويفعل المفضول تارة أخرى، حتى يبين الحكم الشرعي لأمته، وليرفع الحرج عنها، وكما ثبت في الصحيحين أنه، صلى الله عليه وسلم، كان يصبح جنباً ثم يصوم، ليدل على جواز ذلك، وأنه لا يجب على المرء أن يبادر بالاغتسال، مع ندبه للاغتسال بعد المباشرة، كما قال: «هذا أطيب وأطهر»، ولكنه عليه الصلاة والسلام قد كان يترك أحياناً ما يُحب، حتى لا يشق على أمته.

وقد ندب إلى أقل من الغسل، وهو الوضوء، كما روى مسلم من حديث أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه، مرفوعاً: «إذا أتى أحدكم أهله، ثم أراد أن يعود، فليتوضأ بينهما وضوءاً»، فحديث أنس وحديث عائشة السابق محمول على حديث أبي رافع، لأنه لا يصح شرعاً الاستدلال بحديث حتى تُجمع أحاديث الباب، فيحمل المطلق على المقيد، والمجمل على المبين، كما هو مقرر.

هكذا فَهم المحدثون والفقهاء مثل هذه الأحاديث، وأجمعوا على جواز مثل هذا الفعل، كما قاله الإمام النووي، وغيره.

وكم كان يفعل عليه الصلاة والسلام مثل ذلك كثيراً، فيشرب من ماء زمزم قائماً، مع ندبه الجلوس، لبيان الجواز، ويصبح صائماً نفلاً ثم يفطر، لبيان الجواز، ويدخل في الصلاة يريد أن يطوِّلها فيسمع بكاء الصبي فيخفف، لبيان جواز تغيير النية في الصلاة، وكان يهمُّ بالشيء من الخير يفعله ثم يترك، لئلا يشق على أمته.. إلى غير ذلك من الأمور التي تكون لها جوانب تشريعية، لا تخفى على طلاب العلم، وقد روى الشيخان من حديث أم المؤمنين عائشة، رضي الله عنها: «ما خُيِّر النبي صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يأثم».

والأهم من كل ذلك أن نعرف أن أفعال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ليست على وِزان واحد، ولا تؤخذ بفهم أي إنسان، بل بفهم الصحابة، رضي الله تعالى عنهم، والمحدثين، فهم الذين رووا تلك الأفعال، ولم يستوقفهم فهمها، ولا ترددوا في قبولها، لمعرفتهم أن أفعال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، هي على وجه الكمال، لا يطرأ عليها ما يُعاب، لا جَرم فهو الإنسان الكامل، الذي أدَّبه ربه فأحسن تأديبه، صلى الله وسلم وبارك عليه.

«كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي»

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه . 

طباعة