كـل يــوم

الدول العربية.. سبعون عاماً من الغفلة!

سامي الريامي

الأداء الاقتصادي العربي بشكل عام متدنٍ للغاية، وهو دون المستوى المطلوب، ولا يمكن مقارنته باقتصادات التكتلات العالمية الموجودة، فرق شاسع للغاية بينها، رغم كثير من المقومات والإمكانات المتوافرة بين زوايا هذا الوطن العربي الكبير.

المنطقة العربية يعيش فيها 8.5% من سكان العالم، إلا أنها تساهم بـ3.4% من الناتج المحلي العالمي، ولا تستقطب سوى 4% من الاستثمارات الأجنبية المباشرة، ولو قارنا هذه الاستثمارات مع مناطق اقتصادية أخرى فإن حجم الفجوة بينهما يصل إلى 100 مليار دولار، وهو أمر مؤسف للغاية!

الأسوأ من ذلك أن حجم التجارة البينية بين الدول العربية يبلغ 16%، ولو استثنينا النفط لوصلت الأرقام إلى مستويات مخجلة، في حين أن حجم التجارة البينية بين دول الاتحاد الأوروبي على سبيل المثال تبلغ 63%، و52% في آسيا والمحيط الهادي، وبلغة الأرقام فإن حجم الفجوة بيننا وبينهم يبلغ 200 مليار دولار!

هذه الأرقام وغيرها كثير، استعرضها المتحدثون والمفكرون الذين استقطبهم المنتدى الاستراتيجي العربي، وهي دون شك تشخيص دقيق للأزمات الحقيقية التي يعانيها الوطن العربي، أزمة التكامل والتعاون الاقتصادي، وأزمة التركيز على السياسة والابتعاد عن الاقتصاد، وأزمة الاندفاع وراء شعارات وأيديولوجيات لا تسمن ولا تغني الشعوب من جوع، وأزمة ترتيب الأولويات.

لذلك لا يمكن لنا كأمة عربية ووطن عربي النهوض، ومنافسة الدول والتكتلات العالمية، ما لم يقم الجميع بترتيب أولوياته، وما لم يضع الجميع عربة الاقتصاد والتعاون الاقتصادي أمام العربات الأخرى كافة لتقود المنطقة إلى التقدم والتطور.

المحللون والخبراء والمفكرون لا يحملون قدراً كبيراً من التفاؤل خلال السنوات العشر المقبلة، لكنهم يعتقدون أن الأسوأ قد مرّ على الوطن العربي، والقادم لا يمكن أن يكون أسوأ مما كان، فالقلاقل وعدم الاستقرار السياسي قد يستمران في بعض الدول خلال الفترة المقبلة، لكن في مقابل ذلك هناك كتل عربية تسير في طريق الإصلاح، وحجم العنف في الوطن العربي أقل بكثير مما كان، وهناك رجعة واضحة للدولة الوطنية، يقابله تراجع للطائفية، وهذه الأمور تشكل جميعها بدايات الأمل.

وجود هذا الأمل، مع تحريك ثلاث ممكنات رئيسة لتعزيز التجارة بين دول المنطقة حري بتحقيق نقلة نوعية في اقتصاديات الوطن العربي كما يرى المحللون في المنتدى الاستراتيجي، وهذه الممكنات لا تعتمد على ضخ رؤوس أموال كثيرة، فهي غائبة أصلاً ولا يمكن توفيرها، لكنها تعتمد على أمور حيوية أخرى، أهمها فتح أسواق المنطقة بين بعضها بعضاً، وإزالة القيود التنظيمية بين الدول العربية، وإتاحة الحرية في حركة الموارد ورجال الأعمال من خلال تسهيل الأنشطة التجارية والاقتصادية بما في ذلك حرية حركة السلع والخدمات، إضافة إلى وضع معايير جودة مشتركة لرفع مستويات السلع العربية التي تعاني معظمها حالياً رداءة في المستوى.

هذه الممكنات والتغييرات والتسهيلات البسيطة سيكون لها أثر لا يمكن أن يتوقعه أحد، حيث توقع المحللون أن يخلق أثرها المحتمل زيادة في الناتج المحلي الإجمالي العربي تصل إلى 7.8%، هذه الزيادة تساوي بلغة الأموال 231 مليار دولار بالتمام والكمال، فهل لنا أن نتخيل الوضع الاقتصادي والاجتماعي العربي بعد دخول هذه الثروة في اقتصاديات بلدانه؟!

هذا غيض من فيض إمكانات وقدرات العرب، لكنها للأسف معطلة بإرادة وقرار داخلي عند بعض الدول التي تصر على التمسك بشعارات عفى عليها الزمن، وبتدخل وتحكم خارجي من بعض الدول الإقليمية التي لا تتمنى الخير للعرب، ولا تتمنى أن تصل الدول العربية لهذا المستوى، فمتى ننتبه ونصحو من هذه الغفلة التي طال أمدها لأكثر من سبعين عاماً!

twitter@samialreyami

reyami@emaratalyoum.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه. 

طباعة