5 دقائق

    ثرثر هنا.. ولا تثرثر هناك!

    عبدالله القمزي

    شدني إعلان خدمة جديدة في مجمع سينما، ينتشر في معظم المراكز التجارية، عن إمكانية مشاهدة الفيلم Distraction Free، أي بلا ملهيات أو أمور مزعجة للمشاهد. والأمور الفظة في صالاتنا كثيرة، منها التحدث بصوت عالٍ، والمبالغة في استخدام الهاتف الذكي، بغرض تحديث حسابات «سوشيال ميديا»، وإبلاغ المتابعين بما يشاهده المستخدم، وتصوير الفيلم وتحميل الصور على «سناب شات»، فضلاً عن الرد على «واتس أب»، والأسوأ رنين الهاتف، والإجابة على المكالمات.

    لا أعلم ما الجدوى من الخدمة إن لم يطلب مقدموها من زبائنهم تسليم هواتفهم الذكية خارج الصالة، ووضعها في أماكن مخصصة، مثل خزائن مرقمة يحمل كل مستخدم مفتاح خزانته. لأنه لا يوجد رادع فعلي غير هذا، أو البديل الآخر هو الاستخدام الحتمي للهاتف داخل الصالة.

    ويقول مسؤولو الخدمة إن الموظف يطلب من المشاهد الثرثار أن يغلق فمه! وسؤالي: ماذا عن الصالات الأخرى؟ هل مسموح بالثرثرة فيها؟ هذا يعني أن إدارة السينما تقول يمكنكم الثرثرة هنا وإغلاق فمكم هناك! رأيي أن الخدمة مجرد حيلة تسويقية.

    طبعاً لو رن هاتفك بمكالمة مهمة، سيسمح لك بالمغادرة والتحدث خارج الصالة، ثم العودة إلى مقعدك. هذه الحركة في حد ذاتها مزعجة للشخص الجالس بجانبك، لأن جهازك سيضيء، وستخرج محدثاً جلبة بخطواتك.

    جرب رجل أعرفه الخدمة، وقال إنه لم يشعر بفرق بينها وبين صالات «الثرثرة»، لأن الشخص الجالس على مقربة منه، كان يستخدم هاتفه مرة كل خمس دقائق، ما سبب تشوشاً لصاحبنا الذي انتقلت عيناه للشاشة المضيئة الصغيرة على أمل أن تنطفئ.

    أصبحت الثرثرة في الصالات من ملامح العقد الحالي في بريطانيا والولايات المتحدة، بعد أن كانت مقتصرة على الشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا. وهناك أسباب لذلك، منها: صعود أفلام القصص المصورة (كوميكس)، وجمهورها الأغلب من المراهقين، وصاحبت هذا الصعود هيمنة «سوشيال ميديا»، واستحواذها على اهتمام الناس، ومن الثابت بالتجربة أن المراهقين - بغض النظر عن جنسياتهم وأعراقهم - يدخلون من أجل «سوشيال ميديا» وليس الفيلم.

    ما يثبت وجهة نظري حضوري فيلماً من الخيال العلمي غير موجه للمراهقين تحديداً، وقد لاحظت خمسة منهم من الجنسية الأوروبية على مقربة مني يثرثرون ومشغولين بهواتفهم الذكية، وغادروا بمجرد أن أثبتوا وجودهم في الفيلم على منصات «سوشيال ميديا» وقبل أن ينتهي.

    في لندن، حضرت فيلم رعب، ولاحظت أيضاً ثرثرة من مراهقين، وكذلك تصوير الشاشة، وإن كان بشكل أقل من صالاتنا المحلية. المسؤولون هناك لا يمانعون ذلك، مادام لا يضايق أحداً أو harmless حسب قولهم، ويضيفون أن «سوشيال ميديا» بالصالات تساعد في ترويج الفيلم.

    بالعربي: أكتب هذا المقال على هاتفي الذكي، وسط مئات القذائف من رسائل «واتس أب» تجتاح أعلى شاشتي. أجبت عن الضروري منها فقط. أرى أن من ضرورات العصر تطوير القدرة على تجاهل الملهيات، لأنها لن تتوقف بلا صرامة من خدمة منع الثرثرة والهاتف الذكي في الأفلام مثلاً، أو آلية انضباط ذاتي يطبقها الفرد على نفسه.

    Abdulla.AlQamzi@emaratalyoum.com

    لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

    طباعة