كـل يــوم

    معضلتا أُسر المصابين بـ «التوحد»

    سامي الريامي

    قبل سنوات عدة، كشفت وزارة الشؤون الاجتماعية، أن عدد المصابين بـ«التوحد»، المسجلين في المراكز العلاجية الحكومية والخاصة في الدولة، بلغ 879 حالة، بينهم 62% من مواطني الدولة، ومعظمهم من الذكور بنسبة 81%، ولاشك في أن هذه الأرقام ارتفعت حالياً، فالوعي بأعراض «التوحد» زاد عند الأهالي وأولياء الأمور، وأصبح اكتشاف المصابين يتم في مرحلة مبكرة، وهذا شيء إيجابي.

    لكن مقابل هذا الأمر الإيجابي، هناك الكثير من الأمور السلبية المرتبطة بـ«التوحد»، فهو يمثل إشكالية كبيرة جداً للأسر، ومسؤولية مُكلفة ومرهقة لأولياء الأمور، وهو معاناة حقيقية لا يشعر بها سواهم، ولا يتحملها معهم أحد، لذلك فهم وحيدون في تحمل تبعات إصابة أبنائهم بـ«التوحد»، التبعات النفسية، والمالية، والإنسانية.

    وتمثل الكلفة المرتفعة لمعالجة حالات المصابين بـ«التوحد» أكبر وأصعب إشكالية تقع على عاتق الأسر، تفاقم معاناتهم، إذ يبلغ متوسط كلفة علاج الحالة الواحدة في المراكز الحكومية على مستوى الدولة نحو 62 ألف درهم سنوياً، وتتضاعف أكثر في مراكز التوحد الخاصة، لتصل في بعض الأحيان إلى 400 ألف درهم، ولكم أن تتخيلوا حجم المشكلة إن كان في الأسرة أكثر من طفل يعاني الأعراض ذاتها!

    بالنسبة إلى المراكز غير الربحية، فهي تقدم خدماتها بأسعار معقولة، مقابل ما تتقاضاه نظيراتها في القطاع الخاص، وهي الأكثر تطوراً في البيئة والمكان والخبرات التي تتعامل مع مصابي «التوحد»، لذلك فما تقدمه من خدمات لا يتناسب أصلاً مع كُلفة التشغيل والتعليم والعلاج التي تقدمها للأطفال، ومع ذلك فهي لا تحصل على أي دعم حكومي ثابت، يجعلها قادرة على الاستمرارية في تقديم هذا النوع من الرعاية، لذلك فهناك إشكاليتان أو معضلتان تحتاجان إلى حل، الحل في تقديم دعم للأسر التي تضم أطفالاً أو أبناءً مصابين بـ«التوحد»، أو دعم المراكز التي تتبع بشكل أو بآخر للحكومة لتقديم خدمات ورعاية مناسبة لهؤلاء الأطفال، حالياً وواقعياً لا يحدث أي شيء من هذين الأمرين!

    هناك جهات حكومية مختصة بالمجتمع، تقدم دعماً بسيطاً لذوي الهمم، لكن هذا الدعم محكوم باشتراطات قانونية عدة، ومربوط بدخل الأسرة، ولذلك فغالبية أسر الأطفال المصابين بـ«التوحد» لا يحصلون على أي دعم، لأنهم قانونياً ليسوا من ذوي الدخل المحدود، ولا أدري ما سرّ ربط تقديم رعاية طفل مصاب بـ«التوحد» بدخل أو راتب ولي أمره، فالكلفة عالية، وغالباً لا يستطيع أي موظف مهما بلغ راتبه أن يتحملها مع الأعباء المعيشية الأخرى، فمن باب أولى التعامل مع الطفل باعتباره طفلاً مواطناً بحاجة إلى تعليم ورعاية صحية وعلاجية، من دون ربط هذا الأمر بأي اعتبارات أخرى، تماماً كما هي الحال في توفير التعليم لجميع أبناء الإمارات في المدارس الحكومية مجاناً، وبغض النظر عن دخل أو راتب أو المستوى المعيشي لأولياء الأمور، إنه حق أساسي وأصيل، تقرّه الدولة منذ نشأتها، والأمر من هذه الزاوية تحديداً لا يختلف مع طفل «التوحد» أو غيره من أصحاب الهمم!

    twitter@samialreyami

    reyami@emaratalyoum.com

    لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

    طباعة