كـل يــوم

تعدّدت الأشكال.. والهدر واحد!

سامي الريامي

«ضبط النفقات والمصروفات» ليست عملية مرتبطة بوضع اقتصادي، بل هي ممارسة دائمة، ومطلب أساسي، يجب أن يشغل تفكير كل مسؤول، في كل وقت، وفي كل جهة حكومية، فالصرف من أموال الحكومة مسؤولية كبيرة، مسؤولية أمام الله، قبل أن تكون أمام المسؤولين والجهات الرقابية، لذا يجب أن يكون الحرص على هذا المال مضاعفاً، ويجب التعامل معه برهبة وقدسية، لأن الأمانة حجمها عظيم، وحملها لم يكن يوماً مسألة سهلة.

الموافقة على شراء ما لا نحتاجه، هدر للمال العام، وفتح الترقيات لمن لا يستحقها هدر للمال العام، واستغلال المنصب بأي شكل أو طريقة، هو أيضاً فيه الكثير من هدر المال العام، وعدم التدقيق على كل صغيرة وكبيرة، ومراقبة صرف كل درهم، ومعرفة أسباب هذا الصرف، هي أيضاً هدر للمال العام.

تعدّدت أشكال الهدر وأسبابه، منها ما هو بقصد، ومنها من غير قصد، ومنها بسبب ضعف الإدارة، أو اتكال المسؤول الأول على غيره من الموظفين غير المؤتمنين، فيفعل ما يريدون، ويوقّع على طلباتهم دون رقابة أو حساب، ومنها أيضاً أسباب تتعلق بعدم مواكبة العصر، أو عدم الفهم الحقيقي لمعنى الإدارة أو مسؤوليات المدير!

الأجهزة الرقابية لن تستطيع كشف كل شيء، والمسؤولية الحقيقية تقع على عاتق المديرين التنفيذيين، فهم وحدهم يستطيعون تبرير كل شيء، ويستطيعون كذلك تمرير كل شيء، ومن لا يردعه ضميره لن يمنعه أي شيء آخر من عدم التعامل بحرص وخوف على المال العام.

ملايين الدراهم تُصرف بشكل قانوني على «الأوراق الرسمية» المقدمة للرقابة، لكنها عملياً لا تفيد الجهة بشيء، والجهات الرقابية لا تستطيع كشف ذلك، فهي أمور تتعلق باحتياجات الجهة المعنية، وتحديد هذا الاحتياج هو مسؤولية مديري تلك الجهة، لذلك أهمية هذه الحاجة من عدمها، هي بالفعل مسألة ضمير!

صرف الأموال على الزيارات الخارجية، يعتمد على ضمير المدير أيضاً، وهو وحده من يحدّد أهمية تلك الزيارة، ومن الأحق من الموظفين بالسفر، وكم العدد المناسب للقيام بالمهمة الخارجية، وما المردود الحقيقي من تلك الزيارة، وكيف يمكن أن تنعكس على تطوير العمل، أو الخدمات المقدمة، وهل كان بالإمكان الاستغناء عن السفرة الخارجية والاستعاضة عنها بدورة تدريبية أو غيرها، وهل الإنفاق على هذه الزيارات يعادل الفائدة الحقيقية المرجوة، أم أن الأمر لا يعدو كونه مجرد رحلات ترفيهية للمقربين من الموظفين لا أكثر؟!

كثيرة تلك التفاصيل التي يتزايد هدر المال العام فيها، تفاصيل لا يتم صرف الأموال فيها أبداً من أجل مصلحة العمل، بقدر ما تكون المصلحة الخاصة هي السبب المباشر، وليس شرطاً أن تكون هذه المصلحة الخاصة مالاً مباشراً يدخل في حساب شخص بأي طريقة كانت، لكنها أحياناً صرف مال عام من أجل حب ظهور، أو إثبات سلطة وقوة، أو محاباة موظف أو مجموعة موظفين، أو تعيينات أصدقاء وترقية مقربين، أو حتى تنظيم فعاليات ومنتديات غير ضرورية إطلاقاً، لا يستفيد منها أحد، واستضافة من لا يفيدنا بشيء على حساب الجهة الداعية، وغيرها من تفاصيل أخرى كثيرة، نسمع عنها، ونشاهدها بشكل شبه يومي، وأعتقد أن الوقت قد حان لإيقافها.

twitter@samialreyami

reyami@emaratalyoum.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه. 

طباعة