5 دقائق

شكر المحسن من الوفاء

د. أحمد بن عبدالعزيز الحداد

العمل الجاد لمصلحة العباد والبلاد فضيلةٌ، وهو أمنية كل إنسان كبير الهمة واسع الأفق ذي قلب كبير، وعقل مستنير، وما كل من تكون هذه صفته تتاح له هذه الأمنية الشريفة، فإذا أتيحت له فإنه يكون رائده ومحرك جذوته، ولا يرضى أن يكون خافتاً باهتاً، حتى يكون شامة بين الأعمال الكبيرة فيعجب به القاصي والداني، فإذا كان من رجل مثل الشيخ محمد بن راشد، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي ــ رعاه الله ــ الذي يصدق عليه قول أبي وائل الحنفي - بكر بن النَّطاح (ت 192 هـ):

له هممٌ لا منتهى لكبارها ... وهمتُه الصغرى أجلُّ من الدهرِ

له راحةٌ لو أن معشار جودها ... على البَر كان البَرُّ أندى من البحر

فإن عمله يكون عملاً مشهوداً، وهذه دبي خاصة والإمارات عامة تشهد بذلك، فهو الذي بنى مدينة حضارية، فاقت مدن العالم ذات القدم الموغل، وهو الذي أقام حكومة تسابق الأيام في إنجازاتها وتفوقها وتألقها ونظامها وعدلها وأمنها واستشرافها، وغير ذلك مما لا يكاد يوجد نظيره في حكومات العالم، وهو الذي يعمل مع حكومته على أساس نكران الذات، والنظر إلى المستقبل البعيد وكأنه حاضر بين يديه.. رجل يعمل فترة نصف قرن ولايزال يعمل لمثله إن شاء الله تعالى، كيف تكون مكافأته من شعبه على الأقل؟! إن ذلك شاق؛ لأن عِظم المنّة يستوجب كبير الوفاء، فلم يكن في اليد حيلة أكبر من شكر هذا القائد الرائد، والثناء عليه بما هو أهله، فذلك هو جهد المقل، لكنه في الحقيقة ذو وقع كبير في نفس من يعرف أن الشكر هو خُلق الأوفياء من الناس، لأنه يعني الاعتراف بالعجز، وإعلان الوفاء، وحفظ الود، والاستعداد لحفظ المسيرة، والسير على ذلكم النهج الذي رسمه، وبذل الكثير من وقته وحاله وماله لأجله؛ لذلك كانت لفتة من يُقدر ذلكم العمل الكبير حق قدره، وهو صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد - رعاه الله - لشعبه الوفي أن يعبر عن شكره لهذا القائد الفذ وباني صروح المجد؛ بما يمكن التعبير عنه من الشكر والثناء، فكانت هذه اللفتة الكريمة محركة لما في الضمائر اليقِظة من الوفاء لقائدها، صاحب الطموح غير المحدود لشعبه وبلده، وفي تعابير الشاكرين ما يُفرح فؤاد هذا الهمام، لأنه عمل لأمة تعرف قيمة العمل الذي عمله، وتقدره حق قدره، فلم يكن ضائعاً عندها ولا هي غافلة عنه، نعم هو كذلك فإن:

الناس أكيسُ من أن يمدحوا رجلاً ... ما لم يروا عنده آثار إحسانِ

فقد رأى الناس أجمعون إحسان هذا الرجل لشعبه خاصة وأمته العربية والإسلامية، بل والإنسانية، رأوا ذلك من خلال ما قدمه ويقدمه لكل هؤلاء من بناء وعطاء وتعليم وتنوير وصحة وإغاثة وغير ذلك مما ينفع الناس ويمكث في الأرض، يلمسونه بحواسهم، ويعايشونه في واقعهم، فكان الجميع أسرى إحسانه، وكما قال أبوالفتح البُستي:

أحسن إلى الناس تستعبد قلوبَهم ... فطالما استعبد الإنسانَ إحسانُ

إن شكر من يقدم القليل من البذل والعطاء هو حق له، وهو دليل النُّبل في مقابلة ذلك القليل، فكيف بمن قدم الكثير وسيقدم الأكثر؟ إن أحقية الشكر على ذلك تكبر بقدر ما قدم، وهنا يكمن العجز، فيبقى الاعتراف بالفضل والدعاء بالخير، فلعله يكافئ بعض الإحسان، وهو ما ندب إليه الحبيب المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: «من صنع إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا الله له حتى تروا أنْ قد كافأتموه»، لأن الدعاء له هو طلب مجازاته على معروفه من ملك الملوك الجواد الكريم، الذي بيده خزائن السماوات والأرض، فهو يكافئه بما يليق بكرمه على إحسانه إلى عباده وفقرائه، فإن ذلك يرضيه..

فطب نفساً يا أبا راشد بشكرنا لك شكراً تقصر عنه العبارة، وتفهمه بالإشارة، ودعاءٍ تجد أثره في نفسك وذريتك وشعبك، وفي دنياك وآخرتك، زادك الله من سَيب فضله وجزيل كرمه، ما تُمتع به أمثال ما قضيت من خدمة لشعبك وأمتك، وتجده ذخراً لك عند مولاك الكريم سبحانه.

«إن شكر من يقدم القليل من البذل  والعطاء هو حق له، وهو دليل النُّبل في  مقابلة ذلك القليل، فكيف بمن قدم الكثير وسيقدم الأكثر؟».

«كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي»

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة