كل يوم

الجنادرية.. اسمٌ على مسمى

سامي الريامي

«نحمد الله جت على ما تمنى.. من ولي العرش جزل الوهايب»، هكذا ردّد السعوديون أثناء تأديتهم لرقصة العرضة السعودية، التي تعتبر أحد أهم مكونات الثقافة السعودية، خلال افتتاح مهرجان الجنادرية في نسخته الـ33.

وهذا البيت الشعري الشهير يُردد بشكل جماعي، وهو مغنّى ومطعّم بأصوات الطبول ولمعان السيوف، وهذا المشهد الحماسي هو بالفعل عنوان للشجاعة والنبل والرجولة، لذلك فلا غرابة أن توجد العرضة في كل الاحتفالات الوطنية وغير الوطنية السعودية، ولا غرابة أن تعتبر العرضة النجدية أشبه بالرقصة الرسمية للمملكة، فهي الحاضرة الدائمة في كل المناسبات، التي يشارك فيها الملك والأمراء، فهم يجدون فيها تعبيراً عن الفرح والسلام، ويجد فيها المواطنون فرصة لتجديد الولاء للملك، لأنها كانت رقصة الحرب في زمن الحروب.

العرضة مكون ثقافي جميل، وامتزاجها بمهرجان الجنادرية زادها أهمية، فالمهرجان الوطني للتراث والثقافة، الذي افتتحه، الخميس الماضي، خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، تحول ليصبح واحداً من أهم وأكبر المهرجانات الثقافية العربية.

الجنادرية تحكي الماضي بتفاصيله وألوانه، وتهتم بالتراث والثقافة المختلفة المنتشرة في كل مناطق المملكة، وتؤكد القيم الدينية والاجتماعية، وتعكس التلاحم بين مختلف مكونات المجتمع السعودي، وتعطي صورة جميلة عن الماضي بكل معانيه لإنسان العصر الحديث، الذي يسعى للمستقبل متسلحاً بجذور هذا الماضي العريق.

مهرجان الجنادرية انطلق بافتتاح مبهر ومعبّر، امتزجت فيه العروض والرقصات التقليدية بالتقنية الحديثة، لتشكلا معاً لوحة فنية رائعة ومتكاملة، فيها اختلاطٌ لافتٌ بين العنصر البشري بأعداد كبيرة ملأت زوايا المسرح الضخم، وشاشات ضخمة أعطت لكل حقبة تاريخية جوّها وبيئتها وملامحها، بحيث يعيش المشاهد حياة طبيعية باندماج كامل مع كل حقبة وفترة تاريخية!

«الجنادرية» أصبح اليوم واحداً من أهم المهرجانات الوطنية للتراث والثقافة، إذ إنه مناسبة تاريخية في مجال الثقافة والحضارة والإبداع، وأيضاً مناسبة وطنية، تمتزج في نشاطاتها عبق تاريخ الماضي بنتاج الحاضر، ومن أسمى أهدافه التأكيد على الهوية العربية الإسلامية، وتأصيل الموروث الوطني بشتى جوانبه، ومحاولة الإبقاء والمحافظة عليه ليبقى ماثلاً للأجيال المقبلة.

بقي أن نعرف معنى كلمة «الجنادرية»، ولماذا سُمِّي المهرجان بهذا الاسم؟ فالجنادرية اسم لروضةٍ، كانت تسمّى روضة سويس، وهي من الروضات الملحقة بوادي السُّلَي المعروف. وفي اللغة جندر الثوب: أعاد رونقه بعد ذهابه، وجندر الكتابَ: أمرَّ القلم على ما درس منه ليتبيَّن، وجندر الشيء: صقله بالجندرة، والجندرة: آلة خشبية تُتخذ لصقل الملابس وبسطها.

وكان أهالي الرياض سابقاً يقصدون الجنادرية بعد هطول الأمطار وظهور النبات والأزهار في الربيع، وهي على مسافة 50 كيلومتراً في الجهة الشمالية الشرقية من وسط مدينة الرياض، وتقوم عليها منشآت القرية التراثية على مساحة ستة كيلومترات مربعة تقريباً، وهي بالفعل أعادت صقل التراث وأعادت رونقه.. وهي بالفعل اسم على مسمى!

twitter@samialreyami

reyami@emaratalyoum.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه . 

طباعة