5 دقائق

المرونة المؤسسية

د. علاء جراد

تتطور العلوم باستمرار، ومنها علم الإدارة، حيث تُنشر الأبحاث والدراسات والمعايير بصفة مستمرة، حتى تواكب مفاهيم وممارسات الإدارة مستجدات وتطورات العصر، فمثلاً في الوقت الحالي لم تعد هناك حاجة إلى إهدار المال على تدريبات لا طائل منها لتدريب الموظفين على إتيكيت التعامل وتحية العملاء، حيث لم يعد العملاء بحاجة إلى التعامل أو لقاء الموظفين، فالكثير من الخدمات يتم حالياً عبر الإنترنت، بل إن الكثير من البنوك بدأ إغلاق بعض الفروع وتقليص عدد موظفيه، وكذلك تفعل الفنادق وشركات التأمين، وقريباً جداً سيحدث الشيء نفسه في المستشفيات والجامعات والمدارس، والسبب في ذلك ليس فقط التطور التكنولوجي، لكنّ هناك تغييرات كثيرة وكبيرة قد لا يتمكن الكثير من المؤسسات من مواكبتها، لذلك يتطلب الأمر ما يسمى بالمرونة المؤسسية.

بدأ مصطلح المرونة في الظهور مرتبطاً بالأفراد، حيث يقال إن فلاناً مرن ويستطيع التأقلم مع التغييرات بسرعة، وسرعان ما بدأ استخدام المصطلح في أدبيات ومناهج الإدارة، إلى أن قامت المؤسسة البريطانية للمواصفات BSI، عام 2014، باستحداث مواصفة رقمها BS65000 تتمحور حول هذا الموضوع. ويمكن تعريف المرونة المؤسسية بأنها قدرة المؤسسة على التنبؤ والتوقع والاستجابة للمتغيرات المستمرة، والتأقلم مع تلك المتغيرات بداية من الأمور اليومية البسيطة، وانتهاء بالأزمات والصدمات الكبرى التي يمكن أن تمرّ بها المؤسسة، ولابد أن يتم وضع التحول لمؤسسة مرنة هدفاً استراتيجياً حتى تتمكن من البقاء والنمو. ومن وجهة نظري، فالمفهوم ليس بالجديد تماماً، حيث يوجد ضمنياً في أدبيات أخرى في الإدارة، مثل إدارة المعرفة والجودة وإدارة التغيير، وكذلك في أدبيات التعلم المؤسسي والإبداع، لكن الجديد هو الاهتمام المكثف بالموضوع، وتبنيه بجدية تامة من بعض المؤسسات الكبرى، مثل بنك باركليز، الذي أسس إدارة كبيرة للمرونة المؤسسية، التي حلت محل إدارات عدة سابقة، منها إدارة المخاطر وإدارة استمرارية العمل.

يتوقع بعض الداعمين لهذا المفهوم، ولمواصفة BS65000، أن تحل المرونة المؤسسية محل إدارات ووظائف كثيرة، منها إدارة المخاطر والحوكمة المؤسسية، وكذلك أن تؤدي إلى إلغاء مواصفات عدة مثل مواصفة 31000 الخاصة بإدارة المخاطر، ومواصفة ISO22301 الخاصة باستمرارية الأعمال، وهناك جانب كبير من الصواب في ذلك لأن العبرة في النهاية بالقدرة على التكيف، وسرعة التعلم وتطبيقه، فالبقاء ليس للأقوى ولكن لمن يتعلم أسرع ويستفيد بالتعلم، فالتعلم هو الميزة النسبية الوحيدة التي لا يمكن تعويضها، وهو سر النجاح الحقيقي للمؤسسات وللأفراد. أعتقد أن على مؤسساتنا في العالم العربي الاستفادة بتلك المواصفة والاطلاع عليها، فلاشك أن هناك دائماً شيئاً يمكن تعلمه.

@Alaa_Garad

Garad@alaagarad.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه . 


العبرة في النهاية بالقدرة على التكيف، وسرعة التعلم وتطبيقه، فالبقاء ليس للأقوى ولكن لمن يتعلم أسرع.

طباعة