عندما يُستفزُّ الحكيم.. - الإمارات اليوم

كـل يــوم

عندما يُستفزُّ الحكيم..

سامي الريامي

خلال إلقائه محاضرة، بوصفه أستاذاً لتاريخ الخليج العربي الحديث في جامعة الشارقة، قال صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، للطلاب، إن «الذي أوصل (فاسكو دا غاما) من الساحل الشرقي الإفريقي إلى الهند هو بحار هندي يُدعى كانا، وليس البحار العربي أحمد بن ماجد».. مضيفاً أن ابن ماجد بريء تماماً من هذه القصة كلها.

وبعد فترة، استوقفه طالب في الجامعة، وقال له: «سيدي، لقد رفض الأساتذة هذه المعلومة، وأخبرونا بأن من يكتبها في أي امتحان سيجد الصفر نتيجة لجوابه»!

وبكل تأكيد استفز هذا الكلام الدكتور سلطان بن محمد، فهو الرئيس الأعلى للجامعة، ويستطيع فرض ذلك عليهم فرضاً، وهو حاكم الإمارة التي يعملون فيها، ويستطيع بكلمة منه إجبارهم على تغيير هذه المعلومة، لكن استفزاز سلطان لم يكن استفزاز غضب، بل كان استفزاز شغف بالبحث والتحقق والتأكد من هذه المعلومة بأسلوب علمي، يجعل هؤلاء الأساتذة الجامعيين وغيرهم يقتنعون باستنتاجه، ويقتنعون بخطئهم ليصححوه عن طيب خاطر، وليس بالإجبار، فما كان من سموه إلا أن قال للطالب: «أبلغ زملاءك بأن يكتبوا الجواب الذي يريده أساتذتكم إلى أن أعود لكم».

الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي أحد الباحثين العرب القليلين الحريصين على توثيق كل معلومة، أو الاطلاع على أي وثيقة تخص مجالات بحثه واهتماماته، من خلال دأبه على زيارة المكتبات ودور البحث والتوثيق، والاطلاع على المراجع والوثائق التاريخية للتيقن من المعلومة أو دحضها، لذلك بدأ رحلة البحث عن براءة أحمد بن ماجد بعد هذا الموقف، ووضع هدفه الذي تمثل في إصدار كتاب «بيان المؤرخين الأماجد في براءة ابن ماجد»، ليضيف إلى التاريخ معلومة صحيحة، يدحض بها معلومة خاطئة عاشت سنين طويلة، وتسربت إلى المناهج التربوية والجامعية، ويرفد العالم العربي بمنتج تاريخي توثيقي، ليكون مرجعاً مهماً عن تاريخ هذه المنطقة.

وعندما بدأ سموه إجازته الصيفية في العاصمة البريطانية لندن، اتجه فوراً ومن المطار إلى المكتبة ليقرأ ويبحث، إلى أن وجد ضالته، وعثر على معلومة عن «المرشد»، الذي أوصل فاسكو دا غاما إلى الهند، وكانت في كتاب عنوانه «فاسكو دا غاما»، من تأليف البروفيسور إيدغر برستيج، من جامعة لندن، يذكر برستيج فيه ما يلي: «وباحتجاز الخادم الخاص للسلطان، حصلنا على مرشد هندي حسبناه مسيحياً». ويشير برستيج إلى أنه حصل على تلك المعلومات من «اليوميات»، التي حكت وقائع الرحلة الأولى لفاسكو دا غاما 1497 - 1499.

وكان هذا الخيط الأساس الذي تتبعه صاحب السمو حاكم الشارقة، فذهب بعدها إلى البرتغال مصدر المعلومة، ليزور المكتبة العامة في «أبورتو»، ويعثر على مخطوطة تتضمن سيرة يوميات الرحلة الأولى لفاسكو دا غاما، ليتحقق من أصالتها، ويؤكد للتاريخ المعلومة الصحيحة التي دحض بها معلومة خاطئة.

ويعتبر كتاب «بيان للمؤرخين الأماجد في براءة ابن ماجد» أول توثيق رسمي لبراءة أحمد بن ماجد، أخذ من مخطوطة أصلية ليوميات الرحلة الأولى لفاسكو دا غاما، التي كانت موجودة في مكتبة بلدية أبورتو في البرتغال، لكونها مطلة على نهر دورو، الذي يصل المدينة بالمحيط الأطلسي.

ومع ذلك لايزال هناك عدد من المؤرخين العرب عند رأيهم في اتهامات ابن ماجد، ورد عليهم سموه بأن ما فعله أمر لا يخرج عن اهتمامه بهذه الحقيقة التاريخية وغيرها من الحقائق، وهو نابع من الالتزام الأخلاقي تجاه الحقيقة التي هي ملك للجميع.

هكذا تؤخذ الأمور، بالبحث والتحقق، ولا تؤخذ بالغضب والعصبية والاستعجال، وهكذا تظهرُ النتائج، وتتحقق الإنجازات، بالصبر والتريث والحكمة والمثابرة، وهكذا قدم صاحب السمو حاكم الشارقة درساً في الحكمة والأدب والتاريخ والأخلاق.

reyami@emaratalyoum.com

twitter@samialreyami

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه. 

طباعة