العدل أساس المُلك - الإمارات اليوم

العدل أساس المُلك

د. أحمد بن عبدالعزيز الحداد

هذه العبارة الشهيرة التي جرت مجرى الأمثال، فيعرفها الناس كلهم ثقافة، ويُريدونها واقعاً، وقد لا تكاد تجد واقعها إلا في من تغذى بها في صغره، ونهجها في كبره، وتمرّس عليها في مدرسة العدل والحكمة، وذلك ما كان من صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، فإنه تلقاها ثقافة تربوية من ذلكم المعلم الحكيم الذي نود أن نعرفه حياً فنشكره على حكمته وفائق تعليمه، أو ميتاً فنترحم عليه، فقد غذى بهذه العبارة تلميذه في حينه، العادل الآن في حُكمه، ولم يشأ أن يلقنه إياها تلقيناً ثقافياً كما تلقيناها نحن، بل تدريباً عملياً، فيكتبها حتى تُغرس في ذهنه ومُخيِّلته، ويكتبها بأنامله حتى لا تتعود كتابة غير العدالة، فما أحرى هذا المعلم بقول أمير الشعراء:

وإذا المعلمُ لم يكن عدلاً مشى

             روحُ العدالةِ في الشباب ضئيلا

وإذا المعلمُ ساءَ لحظ بصيرةٍ

            جاءت على يده البصائرُ حولا

لقد كنت بصيراً أيها المعلم فحُق أن نقوم لك تبجيلاً، فها هو العدل الذي تخيلته قد رأيتَه في هذا القائد الفذ الهمام، فلم تخِب بصيرتك ولا فراستك، فرحمك الله حياً ميتاً، وشكراً لك ثم شكراً.

لقد شبَّ هذا الفتى ورأيته حاكماً عادلاً، محنكاً حكيماً، محباً محبوباً، خلوقاً ودوداً، باذلاً سخاءً.. فكان كما شهد له رفيق دربه، وأدرى الناس به، وأخبرهم بحاله وقاله، إنه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، حفظه الله، حينما جادت شاعريته، وقد رأى تلك الصورة الأثرية بقوله:

الـعدلُ سـاس الـملك والـمُلك لـه ساس

              مـــن صــغـر سـنِّـه خـطـها وبـيـمينه

وكـبـر عـليها وإصـبحت مـنه نـبراس

             لا مــــــا يــغــيـرهـا وربـــــُّه يــعـيـنـه

يا لين وافا الوقت وأمسى على الناس

            والــي أمـرهـا سـبـع يـحـمي عـريـنه

ولازالـــت الــصـوره دلــيـلٍ ونــبـراس

            عـــن قــايـدً قــايـد مــن أول سـنـينه

بــه تـفتخر بـه دولـته تـاجً ع الـراس

            هــيـه الأمـانـه فــي الـيـمين الأمـيـنه.

ولعل قائلاً يردد القاعدة المشهورة بأن شهادة الحبيب لمحبه مجروحة، لكنا نقول: إنها شهادة خبير مقبولة، بشهادة الله تعالى القائل: «وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ»، ناهيك عن أنها ليست شهادة خبير واحد، بل شهادة أمة، فهي شهادة متواترة، والتواتر يوجب العلم اليقيني.

إن العدل هو قانون الدنيا والآخرة فلا تستقيم الدنيا إلا به، ولا يفصل الله تعالى بين العباد في الآخرة إلا به، فلذلك كان شريعةً محكمة حتى تصلح أحوال الخليقة وتزدهر الحياة، وقد أوجبه الله تعالى على نفسه، وهو الذي لا يُسأل عما يفعل، حتى يتخلق عباده بخُلقه سبحانه، فيكونون في مقام المحبوبية لديه جل وعلا، لأن الحاكم العادل في أعظم المنازل والمراتب عنده سبحانه، كما قال صلى الله عليه وسلم: «سبعة يُظلُّهم الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله: الإمام العادل..»، فكان أول السبعة منزلةً وأجراً. وقال عليه الصلاة والسلام في حديث آخر: «إن المقسطين عند الله على منابر من نور، عن يمين الرحمن، عز وجل، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما وُلُّوا». وذلك لعظيم أثر عدالته، فإنها تجعل الناس في أحسن أحوالهم ديناً ودنيا، فلا يطمع الظالم في عفوه فيتمادى، ولا ييأس المظلوم من نصرته وأخذ حقه، فيعيش الناس على قدم المساواة كأسنان المشط، وبذلك يطمئنون على أنفسهم وأهليهم وأموالهم، وينشطون في استثماراتهم وبناء حضارتهم، ولا أدل على ذلك من الواقع المعاش في المجتمعات العادل أهلُها، كدولتنا العامرة هذه، كيف يعيشون أحسن عيش مهما كانت دياناتهم، بعكس المجتمعات التي يظهر فيها الظلم كيف يعيشون وإن كانوا على دين قويم، وقد روي أن النبي عليه الصلاة والسلام نوه بأثر العدل في الممالك فقال: «ولدت في زمن الملك العادل»، يعني أنوشروان. ولما أراد أن يحمي أصحابه من ظلم قومه قال لهم: «إن بأرض الحبشة ملكاً لا يظلم أحد عنده، فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجاً ومخرجاً مما أنتم فيه». فدام ظلكم الوارف وعدلكم الخفاق.

«كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي»

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة