كـل يــوم

متى سيخرج العمل الخيري من الصندوق؟

كـل يــوم

متى سيخرج العمل الخيري من الصندوق؟

سامي الريامي

حجم العمل الخيري في الإمارات ضخم جداً، يتجاوز المليار درهم بكل تأكيد، والجمعيات الخيرية المنتشرة في مختلف إمارات الدولة لديها مئات الملايين من الدراهم، بل إن بعضها لديه فائض محفوظ كودائع في بنوك تجارية، ومع ذلك فإن أسلوب العمل التقليدي السائد لدى غالبية هذه الجمعيات، أفرغ العمل الخيري من مضمونه الحقيقي، ذلك المضمون الذي يسعى لعلاج المشكلة من جذورها لا أن يعالج نتائجها وتداعياتها.

لذلك لا غرابة أن يزيد عدد المحتاجين بشكل سنوي، وتزداد الحالات التي تتردد على الجمعيات الخيرية، في حين يفترض أن يحصل العكس مع وجود هذا الحجم الضخم من الإنفاق السنوي، وتالياً سيظل العمل الخيري يراوح مكانه في دائرة جمع التبرعات وتوزيع المساعدات على المحتاجين، وصرف الأموال في الأوجه الأخرى التقليدية الموجودة منذ عشرات السنين، والتي لم تتغير أبداً مع تغير الزمن والحاجة والثقافة العامة!

والنتيجة هي، لا المحتاج سدّت حاجته، ولا المبالغ المصروفة أدت الغرض منها، لأنه لم يفكر أحد في تلك الجمعيات التقليدية، في تحويل هذا المحتاج إلى منتج، ولم يفكر أحد منهم في الاستثمار في الإنسان بدلاً من إعطائه مبلغاً زهيداً بشكل سنوي لا يسمن ولا يغني من جوع!

أعمال متشابهة تماماً تقوم بها الجمعيات الخيرية، هي في نهاية الأمر كمن يسكب الماء العذب في البحر من أجل تحويله إلى نهر، بالتأكيد لن يأتيه اليوم الذي سينجز فيه هذا العمل، وهكذا هو الوضع في طريقة عمل هذه الجمعيات، هناك مئات الملايين من البشر المحتاجين والفقراء والأرامل والأيتام في مختلف قارات العالم، لن تتغير أحوالهم ولو صرفنا عليهم أضعاف ميزانيات الجمعيات الخيرية بالطريقة التقليدية التي تقوم بها تلك الجمعيات حالياً، فهي تتنافس في إفريقيا وآسيا على بناء المساجد وحفر الآبار وتوزيع المساعدات الغذائية والملابس، وفي ذلك خير دون شك، ولكن هل سينقص عدد الفقراء والمحتاجين، وهل تكفي وجبة واحدة لسد حاجة جائع طوال السنة، وهل بناء المسجد مهم لمن لا يملك بيتاً يحميه حر الشمس مثلاً!

ألا يستفيد المسؤولون عن هذه الجمعيات من رؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في العمل الإنساني والخيري، ألم يشاهدوا أو يسمعوا أو يقرأوا عن مبادراته في تغيير حال الإنسان المحتاج وتطويره، ألا يدركون أن نشر التعليم ومكافحة الجهل أهم من مساعدة مالية، ألم يدركوا أن إنشاء مستشفى لعلاج المرضى في تلك البلدان الفقيرة أهم بكثير من بناء المساجد، فالصلاة جائزة في كل مكان، في حين أن المريض لابد له من مستشفى يعالجه!

العمل الخيري في الإمارات بحاجة إلى مراجعة شاملة، وبحاجة إلى تنسيق أكبر، وقبل ذلك بحاجة إلى وضع رؤى وخطط واستراتيجيات واضحة، على الجمعيات الخيرية أن تعمل بشكل مركز داخل الدولة قبل أن تنتشر إلى قارات العالم الأخرى، وعليها أن تعي أن هناك أوجهاً جديدة للإنفاق يجب النظر فيها ومراعاتها، فهناك فئات محتاجة في الدولة تحتاج إلى سكن، وأخرى تحتاج إلى غسيل كلى، وآلاف من الأسر المحتاجة أرهقتهم الرسوم المدرسية، فهل فكرت الجمعيات الخيرية ولو بمشاريع مشتركة في إنشاء مساكن، أو بناء مدرسة خيرية، أو المساهمة في مشروع مستشفى خيري أو عيادات تخصصية خيرية، أو شراء أجهزة ومعدات طبية بغرض مساعدة المرضى المحتاجين!

حكومة الإمارات تنفق المليارات على رفاهية وراحة المواطنين، ولكن هناك فئات وحالات من المواطنين والمقيمين يستحقون أيضاً التفاتة من الجمعيات الخيرية، بالتأكيد لا نقصد بهذه الالتفاتة 5000 أو 10 آلاف درهم سنوياً، بل المساهمة في دعم هذه الفئات وتطويرها والاستثمار فيها لتحويل أفرادها من محتاجين إلى منتجين، أما سبل وطرق ذلك فإنها كثيرة لا حصر لها، والوصول إليها بحاجة فقط إلى إلغاء الفكر التقليدي في العمل الخيري، والتفكير خارج ذلك الصندوق المغلق الذي عفى عليه الزمن!

reyami@emaratalyoum.com

twitter@samialreyami

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .